الأحد، 22 نوفمبر، 2015

عماد البليك

طريق إلي بلد آخر
قصة قصيرة





تحت شجرة الظهيرة يستلقي الرجل كما لو أنجز كل المهمات الصعبة.. يراجع الدفاتر القديمة المنسية، في ذاكرة مشوبة بالأمنيات والقلق.. ثم يغلق باب الحيرة بنسيج من الوله والغرابة.. لا يتذكر اسمه ولا عنوانه ولا عمره ولا قافلته التي حملته في العتامير والصحارى البعيدة.. قلبه ينبض وشوكته تئن.. هو أسير الأزمنة الأولى التي لا يعرف مبتدأها ولا نهايتها.. هو المسجون في قفصه الصدري حيرة وإرباكا.. هو ليس مجنونا ولا عاقلا.. هو متنزه في مجلسه الصغير.. في أفكاره.. ودماغه الملعون بالطيش منذ متى؟.. لا يتذكر.. ولا يعرف أيضا ما الذي يشغله.. ولا إلى أين الطريق؟.. وأحيانا تغيب عنه الحقيقة.. إن كانت هي حاضرة في ذهنه.. هل هو حيوان أم إنسان أم نبات متسلق في بيت طيني قديم على ناصية زقاق مسدود بأكوام من الزبالة التي تنتظر دورها في ترميم البيت..هل كان هو ذلك الزبال الذي يقوم بالمهمة ويقبض الجنيهات العشر؟..ربما.. يحتاج إلى من يتذكره.. أو يذكره.. لكنه يغفل الفكرة.. ويسرح بعيدا في تفاصيل الزقاق؛ فيه بضع أشجار.. وبضع رجال يجلسون على الظل على تلة من الأحجار المجلوبة من المقابر.. وهم يحتسون العرق تحت ضوء القمر.. ومن بعيد يسمعون صوت مذياع ينبعث من أحد بيوت الزقاق.. صوت فنان أرهقه الدهر لكنه مصرّ على الغناء. كان في شبابه نجم زمانه.. واليوم لا أحد يتذكره.. حتى هو نسي نفسه.. هل هو ذلك المغني، ذلك الفنان الذي كان.. ليس متأكدا أيضا.. وساعة تعجز عن تحديد من أنت، وما هيئتك في هذا الوجود فتلك حيرة كبرى.

على أية حال.. سيقبل بالواقع.. على أنه جزء من تفاصيل هذا الكون المربك.. على أنه حجر أم شجرة أم سلحفاة أم بيضة ديناصور منقرض.. لكنه يشعر بألم في مكان من جسده.. يحتاج إلى طعام لكي يسكت الألم.. لو كان حجرا هل كان سيحس بالألم.. ليس متأكدا.. كان إلى جوار حجر كبير تحت الشجرة..
يسأله: هل أنا منك؟..
لكنه لا يسمع سوى صداه ينبعث من أعماقه.. يفكر أن عليه أن يكون شجاعا ويواجه نفسه بالحقيقة.. هو إنسان بلا ذاكرة، وبلا عنوان، وعليه أن يبحث عن معنى لوجوده في الحياة بأن يبدأ الآن في ترتيب الأشياء.. يختار اسمه وصفته ومهنته، وهو الذي لا يتذكر أي مهنة كان يمتهن.. كما أن خبراته القديمة لا ذكرى لها.. الحمد لله أن يمشي ويتبول ويأكل.. رغم أن العثور على الطعام مهمة صعبة.. ففي هذه المدينة التي جاءها لا أحد يمنح شيئا دون مقابل.. لا أحد يتوقف ليترحم عليك أو يسألك ماذا تريد أو يرد على تحيتك لا بأحسن منها، ولا أقل من ذلك.. الصمت.. العجلة هي التي تسيطر على الجميع.. الكل مهرولون إلى أشغالهم وعائدون منها.. الكل مشغول.. الكل مرتبك.. الكل خائف.. الكل ملعون..
لا يعلم من تفاصيل المكان سوى أنه تحت شجرة ظهيرة، ينظر هل سيرى زقاقا. فلا يرى سوى البشر الهاربون إلى المكاتب والشركات والبيوت المتراصة فوق بعضها البعض، في بنايات عالية، بعضهم يقود سيارات وبعضهم يترجل.. نساء ورجال وأطفال وشيوح.. من كل حدب ينسلون وليس ثمة علامة على إمكانية للتفاهم معهم.. يبدو ان لهم لغة مختلفة فالكلمات التي ينطقون بها غير مفهومة بالنسبة له، وأي لغة كان يتحدث "هو" لا يتذكر.. فقط يمكنه أن يتحدث مع دماغه، مع تلك الجهة المجهولة في غيب بدنه، ثم يحاول أن يترجمها لكلمات فيعجز، كيف سيتفاهم معهم، سيكتفي إذن بالإشارة كأصم أبكم. ويتأمل سحنتهم هم ليسووا غريبين عنه، بشرة سمراء، وعمامات وجلابيب، سيتذكر بصعوبة أنهم أبناء جلدته، لكن لماذا هو عاجز عن فهم لغتهم. ما الذي جرى له أو لهم. هل هو في حلم، في أضغاث منامية، فإذا كان ذلك فسوف ينسى كل شيء بعد قليل ويضحك طويلا. سيحاول أن يستيقظ أن يصدق أنه يحلم وعليه أن ينهض من سريره أو من منامه في مكان لا يتذكره داخل الحلم.. لكن هذا الحلم طويل على ما يبدو.. حلم يشبه حياة طويلة جدا، حياة مقلقه وقاسية.
ما الفرق بين النوم واليقظة؟ لقد خطرا بباله لكنه لم يفرق بينهما!
ما الحياة داخل حلم، وما الحلم داخل حياة.. يتذكر بصعوبة دونما حاجة للغة يتذكر بها انه كان في عالم ما.. وهناك كانوا يفصلون بين حياتين.. حياة اليقظة.. وحياة المنام.. لكن أيهما الحقيقة.. أين الظل وأين الشجرة؟!.. يقف على قدميه ويسير لخطوات.. يقارن بينه وبين من حوله ساعة يكتشف ان النظرات تلاحقه.. فيكتشف انه عليهم أغطية وهو مجرد منها.. هو إذن عار..
ويسرع أحدهم فينهال عليه بعصا.. الجميع يعرفون إنه شرطي.. لكنه "هو" لا يعرف.. فقط سيشعر بالألم ويبدأ في الصراخ.. اللغة التي لا تحتاج إلى ترجمة.. والجميع حوله يضحكون.. ويبدأ في الشعور بالفرح وسط الألم.. فهاهو سيبدأ الآن في فهم لغة بنى جلدته.."إنه الضحك" سيقول لنفسه.. أيضا دونما حاجة للغة أو إدراك أن "ض ح ك " هي كلمة أو مفردة من شيء اسمه اللغة.. هو أمر مفهوم.. متبادل مشعور.. لكن إذا كان فهمه وفهم الألم فسيفهم باقي مفرداتهم وتفاصيل حياتهم قليلا قليلا.. شيئا فشيئا.. هو جائع ومتألم والشرطي يحمله إلى مكان ليس بعيدا، وجمهرة من الناس تنقاد وراءهما.. ويدخل به من بوابة كبيرة مشخبط عليها بعلامات يتذكر ان لها معنى في ذلك العالم القديم الذي كان ينتمي له، لكنها الآن لا معنى لها.. هي أشياء مغفلة ومنسية وغبية.
يدور حوار بين الشرطي ورجل يجلس وراء طاولة مترهلة قديمة منهكة بالية لا جدوى منها سوى أن الرجل يسند ساعده عليها ثم يقف ويحمل العصا ويبدأ في ضربه.. يالهذا الحلم المزعج.. متى استيقظ منه؟ يا لهذا المنام الطويل.. ولكن لا جدوى!..
عليه إذن ان يصبر.. وان يسكت لانه لن يقدر على التفاهم بسوى الهمهمة والصراخ والإشارة باليدين، في إشارات غير مفهومة البتة لهذه الكائنات التي ستبدو غربية منه رغم تذكره الآن بدرجة أوضح انه ينتمي لها، فقد أدرك انه يشبهها في الشكل.. فهو يعرف الآن أنه لم يكن يشبه ذلك الحجر ولا تلك الشجرة.
سيحاول أن يفهمها أن يتألم لكنهما يقيدانه الآن بحبال متينة ويقودانه إلى غرفة صغيرة ثم يرميان به وهو يتألم ويصرخ ويتمادى في الضحك وحده بعد أن يبدأ الألم في التلاشي ساعة يسد الباب ويبدأ ضجيج الخارج في الخفوت وتغيب الإضاءة كأنما المكان مظلم أو هو كذلك أو أن الشمس قد غربت.


الثلاثاء، 1 سبتمبر، 2015

صباح سنهوري


العزلة
صباح سنهوري


.

القصة الفائزة بجائزة الطيب صالح

الجو حار، حار جداً وخانق. لا يوجد شيء سوى هذه الطاولة التي أنام عليها، هنالك أربعة أبواب لهذه الصالة واثنتا عشرة نافذة. هذه الصالة على شكل مستطيل، يوجد في كل ضلع باب، في الضلعان القصيران توجد نافذتان بحيث يكون الباب بينهما، وفي الضلعان الطويلان توجد نافذتان يسار الباب واثنتان عن يمينه.
البلدة خالية، تماماً، إلا من صوت أفكاري الشاردة مني حتّى الغضب. وحدي أنا في الصالة، وحدي أنا على الطاولة، وحدي أنا في البلدة، وحدي أنا من لا يشتهيه الموت. متمدِّدٌ على الطاولة الخشبية التي أوشكت خلايا نخاعي من البناء عليها ومن ثمّ الاندماج. النهوض يتطلب مني جهداً جباراً، فهو يشبه إلى حدٍّ كبير انسلاخ الثعبان عن جلده. أحاول جاهداً النهوض. (والآن، تُرَى أين وضعت الصندوق؟!. إنه بالخارج حتماً). خرجت من الباب الذي يقع في إحدى الضلعان الطويلان فالطاولة تقع في منتصف الصالة، لذا، فكون الخروج من أحد البابين اللذين في الضلعين القصيرين سيضاعف مقدار الجهد الذي أبذله.
في الخارج، كان الجوّ حاراً كما في الداخل تماماً، ها هو الصندوق قابعٌ بالقرب من الباب؛ لست أدري من أين أتى، كل الذي أعلمه أنه، منذ أن بدأت ألملم أطرافي، رأيت هذا الصندوق، وهو يحوي زجاجات من الخمر المعتّق. لم يعد هذا الخمر يجدى نفعاً، فلا شيء أصبح يؤثر على عقلي، كنت أعتقد في قرارة نفسي أنه ربما بعض الخمر تَفِي بالغرض، ربما أتذكر شيئاً، أي شيء. ربما أتذكر على الأقل من أنا؟، ما اسمي؟، من أين أتيت؟، ما هذا المكان؟، أين ذهب البقيِّة؟، ومن هم البقية؟.
الجو حار، حار جداً وخانق، وكأن هذه البقعة هي المكان الوحيد الذي وُظِّفَت الشمس لأجله، وفي هذا المكان وصل الهواء إلى سنّ التقاعد، وربما لَقِيَ حتفه. تناولت زجاجة خمرٍ وبدأت بالشُرْب، رميت الزجاجة جانباً. مازلت بكامل وعيي. خطرت ببالي فكرة، وهي أن أطوف بهذه البلدة، بدأت في السير على الطريق، ترى أين البشر؟. لكم أتمنى الآن أن يظهر أمامي كائنٌ من كان؛ إنساناً، حيواناً، سواء كان ذلك الحيوان مُستَأنَسَاً أو خَطِرَاً. لماذا أنا وحدي هنا؟.
البلدة هادئة، ساكنة، لا أسمع أيّ صوت سوى صوت دقات قلبي. دخلت إلى أحد المنازل، كان الباب غير موصد من الداخل ولذا كان من السهل عليَّ الدخول. المنزل مظلم قليلاً ولكن تسهل فيه الرؤية، ياله من أثاث جميل ومرتَّب. لمحت بعض الصور التذكارية على الحائط، يبدو أنها لأفراد هذه المنزل. ياله من صبي جميل، أهؤلاء والداه؟، يبدو ذلك. ترى أين هم الآن؟!. فجأة أحسست بقشعريرةٍ باردةٍ تسرى في كامل جسدي، عندها فقط قررت الخروج من هذا المنزل.
واصلت سيري في الطريق، المنازل على جانبي الطريق، تبدو هادئة تماماً. ما هذا الشيء هناك؟ إنها طاحونة هوائية، ياللسخرية!!، طاحونة هوائية؟!، يبدو أنهم بنوها قبل أن يتقاعد الهواء. إذن فقد كان الهواء مُوَظَّفاً هنا!. ترى هل يوجد أحد بداخلها؟. دلفت إلى الداخل، أرى عدداً من بيوت العنكبوت هنا، حتى بيوت العنكبوت تبدو مهجورة. ولكن أين العنكبوت؟! تَلَفَّتُّ حولي، يوجد العديد من جوالات الدقيق، وهذا الوعاء مليء بحبوب الغلال التي لم تُطحَن بعد، لا بد أن يوجد أحد هنا. أجل، فمن غير المعقول ألا يوجد بشر، واحد على الأقل، حسناً، عنكبوت واحد فقط، لا بأس يكفيني جرذ واحد، أرجوك، حسناً، سأنادي بأعلى صوتي علَّ بعضهم يستيقظ، لن أكون طماعاً يكفيني أن أقول (علّه) يستقيظ. حسنٌ سأنادي.. يإلهي؟ كيف أنادي؟ لماذا لا تخرج الكلمات من فمي؟!. لا بأس فلتخرج الحروف متقطعة، أوه لا، تُرَى بأيةِ لغةٍ أتحدث؟. أدرك تماماً أنني أجيد الكلام، فأنا أفكر دائماً بهذه اللغة، ولكني أتحدث بها إلى نفسي، من داخلي، وليس من فمي. لم أتحدث إلى أحد منذ فترة طويلة ولا أتحدث إلى نفسي بصوتٍ مسموع، هل هذا لأنني أخاف من أن أوصف بالجنون أم لأنني أخاف من أن يسمع أسراري أحد؟!. ليتهم يصفونني بالجنون، فقط يظهروا أمامي ويصفوني بالجنون، عندها سأبلغ قمة السعادة.
لو كنت تذكرت أن الناس تتجمهر، لتنصَّت إلى من يُحَدِّث نفسه ليتناقلوا حديثه فيما بينهم، لتحدثت بكل لغات الكون وبأعلى درجةٍ أملكها من الصوت، ربما كل هذه الأشياء تجذب البشر، ولكن لا جدوى من ذلك الآن، فقد فقدت أملي الأخير. فقدت صوتي للأبد. خسارة. مؤكد أن هذه الأشياء تجذب البشر كما يجذب العسل النمل. ماذا؟! هل ذكرت كلمة عسل؟!، أجل، أذكر أنني رأيت عسلاً في ذلك المنزل الذي دخلته، أجل؛ العسل، النمل، وجدتها، أجل وجدتها. خرجت من تلك الطاحونة الهوائية وجريت بسرعة إلى حيث المنزل، فتحت الباب وأسرعت إلى الداخل. أحاول التذكر: أين رأيته، أجل، هاهوذا.
أخذت العسل وخرجت به إلى الطريق، إنها مُحْكَمَةُ القفل، ولكنها لن تكون صعبة على إنسان قد أوشك على فقدان الأمل وظهر له الأمل فجأة من بعيد. بالطبع أنا الآن أقوى من جبل، ها هي العلبة مفتوحة بين يدي. تذوقته، إنه جيد لا بأس به، فلا زال يحتفظ بطعم العسل. أمسكت بالعلبة، بدأت بالسير على الطريق وأنا ممسكٌ بالعلبة والعسل يتدفقُ منها. أوشك العسل على النفاد. جيد، هذه الرقعة تكفي. انتهى العسل، لا بأس، فهذا يكفي. والآن سأنتظر النمل، أرجو ألا يطول الإنتظار. لا، لن يطول انتظاري فأنا أعلم جيداً أن تلك النملة النحيلة، والتي تمتلك حاسة الشم الأقوى في مملكتهم، ستشتمّ رائحة العسل، وستخبر جميع أفراد المملكة بذلك، وما هي إلاّ سويعات حتى أرى النّمل؛ عندها فقط سأبلغ قمَّة السعادة وأنا أستمتع برؤية ذلك الكائن الحيّ، الصغير، الجميل. أخيراً يمكنني أن أرى شيئاً تدبّ الحياة في أوصاله، سأجلس وأنتظر. لقد أوشكت الشمس على المغيب ولم تظهر تلك الكائنات. لا بأس، سأنتظر، لا يوجد ما يمكن أن أفعله غير الانتظار.

لا زلت أنتظر، سيأتي، أعلم جيّداً أن النمل لا يمكنه مقاومة العسل، لذا سأتظر.

لقد طال انتظاري؛ فها هي الشمس قد بدأت تُزاولُ عملَها اليوميّ. لن أنتظر مجدّداً، سأعود إلى الطاولة، لقد اشتقت إليها كثيراً، ليس من عادتي أن أقضي الليل بعيداً عنها، حتّى أنني أُحس، الآن، بتقرّحاتٍ على ظهري تُشبه، تماماً، تلك الجروح والتقرّحات التي تُصيبُ من بُتِرَت أيديهم أو سيقانهم عن بقيّة الجسد. لم أضلّ طريق عودتي إلى الصالة. أخيراً طاولتي. أحاول جاهداً احتضانها. أخذت أحتضنها من كلّ جهةٍ من جهاتها الأربع، أقبّلها، مارست نشاطي الوحيد: التمدّد عليها. آه، أخيراً، أحسُّ بنوعٍ من السكينة والطمأنينة، حتّى أنني لم أعد اشعر بتلك الجروح والتقرّحات.

متمدّدٌ أنا على الطاولة، أمارس موهبتي: أحلامي؛ يبدو أن انتظاري للكائنات الحيّة وتشوقي لرؤيتها قد أثَّر عليها. أحلم، وأنا أحدّق في السقف بشرود، دون انتباهٍ لتفاصيله، أحلم أنني كائن أخضر صغير، حقير، تافه، لزج، بدائي، وحيد الخلية. أشعر بأن عينان كبيرتان هلاميّتان مقززتان أحملق بهما يمنة ويسرى دون أن ألتفت، أغمضهما تارةً وأفتحهما أخرى بترتيب منتظم. ما ذاك الثقب؟، إنه على السقف!، يعني ذلك أن حلمي قد انتهى، أرجو أن لا يعاودني ثانيةً، لأنني، حينها، شعرت بشعور سخيف وغريب.

ترى، هل مرّت الحرب من هنا؟. إذا مرّت، ولقي الجميع حتفهم، لما لم ألقَ حتفي أيضاً؟. إن حدث ذلك أين الجثث؟. وإن مرّ وقت طويل على ذلك، أين بقايا عظامهم؟. سَرَت تلك القشعريرة الباردة في جسدي مرة أخرى، لا أخفي عليكم سراً أنني، عندما تشتدّ الحرارة بصورةٍ تُثير غضبي، كنت أجترّ مثل هذه الأسئلة الجالبة، طبعاً، لتلك القشعريرة الباردة التي تزيل معها قَدْرَاً جليلاً من الحرارة وتلطّف الجوّ. كنت أستمتع بذلك وأعتبر نفسي ذكيّاً، فقد كانت الحيلة الوحيدة التي أُجيدها. ولكن، بعد تكرارها، أظنني قد أَتْلَفتُ جزءً من خلايا المخ، خاصّتي، وأفلتت تلك الحيلة من لجامها، ولم أعد أستطيع التحكّم بها، فأصبحت تأتي عندما يتملّكني ذلك الشعور الغريب بالغرابة.

مجدداً، وحدي في الصالة، على الطاولة، في البلدة، وحدي من لا يشتهيه الموت. متمدّدٌ على الطاولة التي أوشكت خلايا نخاعي على البناء عليها، ومن ثم الاندماج.

وصلت في قرارة نفسي إلى: بما أنه لا يوجد من يؤانسني في هذه البلدة، إذاً لا بدّ من إيجاد شريك بكافّة الطُرق والوسائل، فوصلت إلى أن أنقسم انقساماً خياليَّاً إلى كائنين؛ أحدهما (أنا) والآخر (هو). إنه يشبه صورتي المنعكسة على زجاجات الخمر المعتّق. حسنٌ أيها الكائن الوسيم، ماذا سأدعوك؟، ليست لديّ أدنى فكرة عن الأسماء الآن، ولكن ما رأيك بأن أكون (أنا) وتكون أنتَ (هُوَ)؟. ألمح تعابير الغضب على قسمات وجهه.
-لمَ لا أكون (أنا) وأنت (هو)؟.
-لأنني الأصل يا حبيبي.
-بل أنا الأصل، وبدوني لن تستطيع العيش هنا.
-حسنٌ، لا تغضب أيها الكائن، أنا أكثر منك تجربةً، ومعرفةً؛ أعرف جميع معاني الكآبة، الخوف، الرعب والغرابة، لذا لا تهمني توافه الأمور. لا بأس، سأتنازل لك، سأكون (هو)، وستكون (أنا). هل أنت سعيد الآن؟.
-لم نتفق على كل شيءٍ بعد.
-ماذا تقصد؟.
-أريد، أولاً، تلك الزجاجات التي تحوي الخمر المعتّق.
-ماذا؟!.
-وإلا لن تجدني ثانيةً، وستعاني من الوحدة.
-أوف، هل هذا ابتزاز أم ماذا؟. لا بأس. لك ذلك.
-وأخيراً يا عزيزي، إبحث لك عن مكانٍ آخر لتنام فيه غير الطاولة، لأنني سأنام عليها من الآن فصاعداً.
-إلا هذا!!. لن تناله ولا حتى بأحلامك النهاريّة، لن أتخلى عن طاولتي، لن أتخلى عن جزءٍ منّي، ألا تفهم هذا؟.
-ولكنك تخلّيت بالفعل عندما أوجدتني، لذا لا أظنّ أنه من الصعب عليك التخلّي عن الطاولة. ثم أنك تتخلّى عنها لجزءٍ منك!.
-لاااااااا، أنت لست جزءً مني، الطاولة هي جزء مني؛ أمي وأبي وأهلي والبقيّة. الطاولة أنا. أنت لست سوى وهم، لست سوى صورتي المنعكسة من على زجاجات الخمر المعتّق.

لقد فاض بي حقّاً، رميته بكلّ زجاجات الخمر على وجهه وأنا أصرخ: (إذهب أيها الكائن الهلامي الغريب، إذهب إلى الجحيم. هيا، هيا). اختفى ذلك الكائن الذي يُشبه صورتي، نظرت إلى الطاولة بحنان، أسرعت، استلقيت عليها. (لا تخافي، لن يأخذني منك شيء، حتى الموت؛ أنت تعلمين أنني لا أنزلق في أمعائه، وتعجز انزيماته عن هضمي. غريبةٌ أنت مثلي في هذا المكان، وأنا أحبّك.
لأول مرة أغطّ في نومٍ عميق، حلمت بأنني ذلك الشاب الذي في الأسطورة. كان يتمدّد قرب البحر ويتأمل صورته المنعكسة على سطحه. أما أنا، فقد كنت مدّداً على الطاولة، بالقرب من البحر، أتأمل صورتنا _أنا والطاولة_ المنعكسة على سطحه. الشاب عاقبته الآلهة بأن حوَّلته إلى زهرة في ذات مكانه، نحن حوّلتنا إلى زهرتين جميلتين.
صحوت من النوم، ظللت أتطلع إلى السقف بمزاج جيّد، رويداً رويداً بدأ ذلك المزاج الرائق بالاضمحلال، فما زلت وحدي في الصالة، على الطاولة، في البلدة، وحدي من لا يشتهيه الموت. متمدّدٌ أنا على الطاولة الخشبة التي أوشكت خلايا نخاعي من البناء عليها، ومن ثم الاندماج.
أحاول الرجوع إلى ذاك المزاج الرائق الذي يحمل نكهة الـ.. لست أدري!، أحاول، يبدو أنني فقدته. حسنٌ لا زلت أدّخر بعضاً من أحلامي. لا. لا أريد أن أكون ذلك الكائن. يبدو أنه ما من خيارٍ آخر. حسن لا بأس. أنا الآن كائن أخضر، صغير، حقير، تافه، لزج، بدائي، وحيد الخليّة. لديّ عينان كبيرتان هلاميتان مقززتان أحملق بهما يمنة ويسرى دون أن التفت. أغمضهما تارة، وأفتحهما أخرى، بترتيب منتظم

الأربعاء، 14 يناير، 2015

أستيلا قايتانو

(بحيرة بحجم ثمرة الباباي)






كل شيءٍ فيها كان يذكرني بشجرة الباباي المنتصبة في فناء بيتنا الواسع .. طولها الفارع ، ووقفتها المستقيمة رغم شيخوختها .
لا ألمس في جدتي أي جماليات ، كنت أراها قبيحة جداً مثل الغوريلا ، شفتاها غليظتان ، رأسها كبير يصلح للجلوس دون أي متاعب .. كان يزين شفتها السفلى ثقب هائل تسده بقطعةٍ من الخشب نحتتها لتكون صالحة لهذا الغرض . عندما تخرج تلك القطعة فإن لعابها يسيل عبره . أشهر شيءٍ قبيحٍ فيها أنفها الأفطس ، عندما تسمع تعليقاً عن فطاسة أنفها كانت تقول دون أيّ جهدٍ في التفكير:
- يكفي أنني اتنفس به ..
كنت أرى الأفق عبر ثقب أذنها الهائل أيضاً .. الذي أخذ مساحةً كبيرةً من حلمة الأذن ، و هناك أيضاً ثقبَ في أنفها الأفطس ثم تبرز مساحةَ كبيرةَ من لثتها في الفك الأسفل نتيجة لقلع أربعة أسنان .. أما عيناها فكانتا حمراوتان تجثم فوقهما جفونَ منتفخة ..
الشيء الذي عرفته عن جدتي أن لها مقدرة فائقة في تحمل الألم .. ذات يومٍ ذهبت تقضي حاجتها في العراء ، عندما عادت تحك كعبها الذي أخذ يتورم شيئاً فشيئاً دون أن يبدو عليها الألم ، سألتها في براءةٍ عما بها فقالت :
يبدو أن أفعى لدغتني ، ثم أخذت مشرطاً وفصدت اللدغة كانها تفصد شخصاً آخر أو كان المشرط يصنع أخاديده المؤلمة في جسم غير جسمها ..

ازددت اضطراباً و انا أرى دماً أسود يخرج من تلك الأخاديد .. ليصنع بركةً سوداء .. بركة بلون سمّ ودم ، ثم أخذت ترياقاً مثل حجرٍ أبيض اللون و سحقته بقسوة.. ثم أخذت تملأ تلك الأخاديد بالحجارة الصغيرة ذات الأثر الحارق في الجروح .. حدث كل ذلك و أنا أبحث عن أثرٍ للألم بين خلجاتها .. فجأة نظرت إليّ .. كنت منكمشةً فازددت انكماشاً .. خفت .. أردت الهرب .. و أنا أتذرع بأعذارٍ واهية لأنهض من قربها لأني أعرف عادتها ، إذا أخذت دواء .. أياً كان نوعه فإنها كانت ترغمني على أخذه خوفاً من انتقال العدوى إليّ ، فشلت في الهرب لأنها كانت قد أطبقت قبضتها الفولاذية على معصمي .. و بالمشرط صنعت خطين على ظهر يدي و كذا على قدمي ، لم تعطني حتى فرصةً للصراخ ، أحسست بألمٍ يتسلل عبر دمي ثم قطرات من الدم تنساب عبر الفتحات الثماني .. أخذت الترياق و دعكته بنفس القسوة .. كأنها تريد إدخال تلك القطع الصغيرة عبر أوردتي ، و قالت راطنة وهي تمارس قسوتها عليّ بصوتها الذي بالكاد يشبه صوت النساء :
- هكذا حتى لا تجرؤ تلك الحبائل المتحركة على لدغك .. إذا رأتك إحداها فإنها لا تقوى على الحراك حتى تذهبي مبتعدة .
و هذا ما يحدث دائماً عندما أكون و حدي أو معها .. و منذ ذلك اليوم لم تلدغ أفعى أياً منا رغم أنها كانت تتحرك في كل مكان، حتى في فناء بيتنا الواسع المليئ بالأشجار و الخضروات و شجرة الباباي ذات الأثداء الكثر و الكبيرة .

كانت غرفتنا من القش ذات جدارٍ دائري وبابٍ قصير بحيث يركع من أراد الدخول فيها على ركبتيه ، و عندما تدخل تلاقيك ثلاثة مدرجات لتنزل إلي عمق الغرفة فترى سقفاً مخروطياً بعيداً ، فتصعب عليك المقارنة بين خارج وداخل الغرفة .. وهناك في نهاية البيت حظيرة تضم أكثر من ثلاثين بقرة ، فتزدحم في فتحتي أنفك روائح الروث و الفواكه والخضروات .. ورائحة جدتي ..

كنا أنا وهي ، في كل هذا الصخب ، عائلةَ تتكون من جدة وحفيدة .. توفيت أمي و هي تلدني .. وتوفى أبي في رحلةِ صيدٍ عندما سحقته جاموسةَ هائجةَ بقرونها ، أما جدي فقد أعدم عندما قتل أحد الإنجليز ممزقاً نحره بالرمح لأن نظرات الإنجليزي لم ترق له .. بقيت مع جدتي منذ عمر يوم ، أرضعتني حتى العاشرة من عمري .. كان ثدياها مثل ثمرة الباباي في الضخامة و ما تحوي من لبنٍ طازجٍ ذي طعمٍ غير مفهوم و لكنه جميل ، كنت أرضع قبل الذهاب بالأبقار إلي المرعى ، و بعد أن أعود فلا أشتاق إلا لثمرة الباباي الموجودة على صدر جدتي .. كنت حينها في الثامنة من عمري ، حضرت ذات يومٍ و لم أجدها في البيت .. أدخلت الأبقار في الحظيرة و أنا أناديها مراتٍ و لكن لم تجب .. أعماني إدماني عن رؤية أي شيئ و ناديتها بأعلى صوتي فردت عليّ من بيت جارتنا التي كان يفصل بيننا وبينها جدارَ من البوص و الأخشاب :
نعم .. هل حضرتِ يا ابنتي؟
رأتني في حالةٍ عصبيةٍ و الدموع واقفةَ على جفوني و أنا أقول لها في صوتٍ مخنوقٍ بالعبرة و الغضب :
أسرعي أريد أن أرضع.
قلتها في صوتٍ حازمٍ و في غيظ ، فتأتي و تجلس على الحصير ، أتناول ثديها في نهمٍ و لهفةٍ غريبين ، متجاهلة تعليق جارتنا و هي تضحك علينا و تؤنب جدتي على كيفية نهمي على الرضاعة و أنا في هذا العمر المتأخر.
لم تكن جدتي ترتدي أي شيئٍ سوى جزءٍ ضئيلٍ من الجلد مكون من قطعتين ، معلق بحبل جلدي لفته تحت السرة يتدلى من الأمام و من الخلف ساتراً عورتيها ، أنا حتى ذلك العمر كنت أتساءل لم تضع جدتي تلك الفروة في هذه المواضع .. لم لا تكون مثلي؟
عندما بلغت العاشرة من عمري حدثت تغيرات أثرت على مجرى حياتي ، صنعت لي جدتي شريحتين من الجلد لأغطي المواضع التي تسترها هي .. و منعتني من الرضاعة .. كانت أياماً صعبة ، كنت لا أنام الليل أشعر بلهفةٍ عارمة لأرضع كما أشعر بنفس الرغبة لأتعرى ، عشت أساماً لأتخلص من هذه المشاعر المخجلة ، كنت أعود إليها كلما سنحت لي فرصة ، مثلاً عندما تسكر جدتي بذلك الخمر البلدي مع صديقاتها العجائز ، كانت لا تدري من الدنيا شيئاً و لكنها كانت تتعبني جداً ، خاصة بعد ذهاب صديقاتها من بعد صخب من الرقص والغناء الفاتر ، كانت تتكلم مع الموتى ، مثلاً كانت تقول لأمي : أنتِ يا ربيكا يا ابنتي .. لولا خوفك من الولادة و ربطك للولادة بالموت لما مت .. و أنت يا ماريو فقد قتلك التحدي رغم خوفك ، أما أنت يا زوجي العزيز فقد قتلك جهلك ، ثم تلتفت إليّ قائلة و قد التوى لسانها في الحديث و عيونها أكثر احمراراً و جفونها متورمة لدرجة الانفجار ، وهي تحرك تلك القطعة الخشبية التي أصبحت جزءاً من شفتها المترهلة أكثر مما ينبغي بلسانها المتحرك في قلق :
- أتعلمين قصة موت جدك؟
- لا ياجدتي
رغم أنني كنت أعرف القصة و أحفظها عن ظهر قلب ، إلا أن ردي لا يعني لها شيئاً سواء كان بلا أو نعم ، لأنها كانت ستسردها في الحالتين .. ثقل لسانها و أخذت الكلمات تخرج ملتويةً و مقطوعة ، كنت أسمعها كأنها محشورة في قلةِ كبيرة فيخرج صوتها بعيداً .. قوياً .. ومشوشاً .

لقد قتل جدك أحد الإنجليز في زمن الاستعمار فحكمت عليه المحكمة بالاعدام و هو لا يدري ذلك ، كُتب الحكم في ورقة .. و كان عليه أن يقطع مسافة كبيرة لتنفيذ الحكم في مكانِ آخر .. كان جدك الغبي سعيداً لأن الانجليز أعطوه ورقة و قالوا له إذهب سوف يلقاك أناس هناك .. أعطهم هذه الورقة .. حمل الرسالة وقد حشرها بين شقي عودِ من البوص حتى لا تتسخ .
فصنع لنفسه رايةً صغيرة وهو لا يدري أنها راية موته ، و عندما وصل .. نُفذ الحكم فمات و الدهشة مرتسمة على و جهه الغبيَ ..
ثم تضحك في هستيريا و تعيد القصة مرة أخرى بعد السؤال ذاته ، و بعد دهر من الكلمات و الجمل الملتوية .. ثم تباعد بين الجمل .. و تباعد بين الكلمات .. يليه تباعد بين الحروف .. ثم صمت و انفاس ثقيلة و شخير مزعج يضج في انحاء بيتنا الواسع بعد أن تبكي على موتاها بنفس هستيريا ضحكها حتى تنحدر الدموع على صدرها .
كنت أفرح ويرقص قلبي طرباً ، لأني سأمارس أشيائي التي حرمت منها دون أن اواجه عيوناً حمراء أو صوتاً رجالياً يأمرني بالابتعاد .. أنزع ذلك الغطاء الجلدي الساخن و ألقيه في أبعد مكان ، أقترب من جدتي التي نامت ملقاة أطرافها في كل مكان .. حتى الشريحتان لا تفلحان في تغطية شيئ من جسمها الضخم الممدد على أرضية غرفتنا العميقة .. أتناول ثديها و أشرع في ممارسة رضاعتي في نهم محموم ، عندما امس حلمتها للوهلة الأولى أتذوق طعماً مالحاً ، طعم دموعها .. رغم قبحها لم اكن أتقزز منها فأنا احبها ، أستمر في تلك الحالة و أنا أسمع صوت الرعد بالخارج و أمطاراً غزيرة تضرب السقف المصنوع من القش في إصرارٍ ثائر ، أتجاهل كل هذا الصخب .. صخب الطبيعة المفاجئة ، لأعيش عالمي ، عالم يتكون من بحيرة في حجم ثمرة الباباي ، بحيرة غزتها الشيخوخة فنضبت و ترهلت حتى وصلت السرة.
ذات يوم و أنا أسير خلفها في طريقنا لجلب الماء من النهر ، و نحن نتخذ شريطاً من الطريق الذي صنعته أقدام البشر بين الحشائش التي تغطي نصفنا الأسفل ، بلغت حينها الخامسة عشر من عمري ، كانت تضع قلةً كبيرةً سوداء على رأسها ممسكة بها بيدها اليسرى فيظهر شعر ابطها الأحمر الذي احترق بالعرق ، و أنا ارى الأفق عبر ثقب أذنها ، و أعد خطوط الشيخوخة التي أصبحت واضحة في مشيتها السريعة المتعثرة ، و ترهل بطنها و ثدييها الذان عندما يصطدمان بالبطن يصدران صوتاً كالتصفيق في حالتي المشي و الرقص ..

كانت كغير عادتها هائمة صامتة ، كنت أحاول اللحاق بها بين حين و آخر بهرولة خفيفة ، فجأة توقفت لأنَ هناك أفعى ملونة ترفرف حولها فراشاتَ تحمل ذات الألوان الطفيفة ، اندهشت لذلك و قلت مازحة : منذ متى تقف جدتي لرؤيتها أفعى؟ قالت بعد أن تنهدت بعمقٍ ولأول مرة ألمح خوفاً مخلوطاً بالحزن قد جثم على أخاديد و جهها الكثيرة و العميقة ، قالت: هذه الأفعى نذير شؤم .. تابعنا سيرنا دون أن نتحدث ، قالت جدتي بعد أن فقدتُ الأمل في أن تتحدث :
- أتعلمين أني رأيت جدك قبل أيام؟
في الحلم؟
- لا .. بل في الواقع ..
و لكن ياجدتي .. جدي قد مات كيف ترينه مرة أخرى؟
- رأيته في صورة تمساح .. ضحكتُ و لكنني سرعان ما صمتّ عندما رأيت الجدية على وجهها .
وكيف عرفتِ أنه جدي؟
- من تلك العرجة التي كان مشهوراً بها و صفات أخرى أعرفها أنا فقط
عرفت أننا لا نموت بل نتحول إلي أشياء أخرى تحمل الصفات التي كنا عليها ، نتحول و لكن دون ذاكرة فجدك لا يذكرني عندما تحول إلي تمساح ..

و ماذا تريد أن تكون جدتي بعد عمر طويل؟
لا أدري إلي ماذا سأتحول ، و لكني أتمنى أن أتحول إلي نسر .
و منذ ان ماتت جدتي و علاقتي بالنسور قوية ، كلما ألمح واحداً أتأمله في تحليقه عسى أن أجد بعض صفات جدتي ، ثدياً بحجم ثمرة الباباي .. عيوناً حمراء .. جفوناً منتفخة .. أو لبناً بطعم الملح..

الاثنين، 12 يناير، 2015

محمد خير عبدالله

حكاية القاص سين







تقرفص القاص سين ،كطفل يتوقع صفعه لخطأ أرتكبه، وهو يطالع أعلان احدي الشركات عن أطلاق جائزة كبري ،جبينه التصق بالطاوله يفكر ،طاوله ذات ثلاثة ارجل ،علي سطحها بقايا طعام رائحته تزكم ، وعليها أيضاً نتف أوراق ،بعضها فقد عزريته بخربشات أقلام مختلفة الالوان، موخرة احد الاقلام الان بفم القاص سين الأبخر ، بياض أحدي الوريقات انعكس كتاريخ لمناضل لم يسجل بعد،مج القاص النفس قبل الاخير من سيجاره اجتهد في شرائها ، غافل امه ، وادخل يده النحيله –لم تكن يده بيضاء- في محفظتها ، باصبعيه السبابة والابهام نشل ثمن السيجاره،:ساعيدها لها قال ، امسك القلم ،بنفس يده المعروقه التي سرقت محفظة أمه، تخيل أن القلم الذي ابتل بلعابه، يحثه :اعلن ثورتك علي الورقه،. وهاتف بداخله يخاطبه :هذه الوسيلة الوحيده لأسترجاع ماسرقته ،حدق في الورقة ،التي كان طرفها مستباح قبله بقلم رصاص ، تحركت يد القاص تجر القلم علي سطورالورقة المتعرجه ،ليكتب قصة يشارك بها في المسابقة الكبري ،تذكر أن الموسسه التي اعلنت عن المسابقه تمتلك من الاموال ما يساوي جهل اصحابها، أستحضرهيئة ذلك المثقف الذي وسوس لها بفكره المسابقه،نفث بحنق يسبه "نزل" اعاد بصره للورقه التي داعبتها الريح، أمعن النظر فيها يستحلب ذهنة عله ينجده بفكرة ينال بها الجائزة، تذكر نصيحة صديقة القاص الحاقد: أن البداية من الكاتب والنهاية من الله ، سأله : حتي لو كانت بداية غير موفقة من الله ؟ رد القاص الحاقد بحزم : نعم ، أطفا القاص سيجارته منتظراً البداية ، جال بخاطره، ورقه شبقه، ، ضحك،وقال ضاحكاً :ورقه شبقه،انهي ضحكته وهمهم: فكره جميله، سأكتب قصه عن شبق الورق، امعن النظرفي الورقه ، ذاكرته قادته الي بنت الجيران الشبقة ،كما قالت امه عنها حين رأته ذات مساء يقف معها، قهر الذاكرة وعاد لكرفسته وبصره علي الورقة ،استفذه بياضها ، تخيلها انثي تناجي فحلاً ،قائله، :هيت لك ، اخرج القلم من فمه نقربه نقرات عده علي الطاولة، تطايرت بقايا طعام علي جسده ،نفضها بيده اليمني و يده الاخري علي هامة راسه،تنهد مهمهماً :لن اكتب عن الشبق الورقي ساكتب عن الشركه التي أعلنت عن الجائزة ،وأزعم انها شركة رائده واصحابها رمز النزاهه وليست لهم كروش، همهم متراجعاً :هذا نفاق ساوسم به ،منافق غني خير من مناضل فقير، هذه حكمه تجهر بها جدته، ويساندها شقيقه الاكبر، تنهد القاص :لا ساكتب قصه عن جدي، قصته اكاد احفظها ، مجملها انه من ابطال المهديه وقتل الكفار وشارك في مصرع غردون، كما زعمت جدتي، نعم ، كان اخي يعقب عليها هامساً بأذني(غردون الذي قتله جدي هو كلب الجيران لسعر اصابه) وانا لا اصدقه ولا أنحاز لخيال جدتي، لسبب اعرفه، ان جدي مات بمرض تافه لا يقتل عصفور، اذكر ذات شقاوة سالت جدتي وبيدي كتاب يزعم ان جدي ورهط اخر من جيله مات بالملاريا ،هل مات جدي بالملاريا ياجدتي؟ ترد علي خبثي :مالها الملاريا ؟ اكاد اضحك ، بمرير التجارب تعلم مكري، وتواصل :ملاريا زمان ياولدي، وتسترسل تلعن زمني وامراضه .لن اجادلها بقول أخي :ان غردون ليس شخصاً يفتخر بقتله احد ،لأنها موقنه انه من قوم شيمتهم القوة؟ ولن اخبرها بحديث صديق لي : ان غردون كان يمنح دبره للرجال،الكاتب وهو مازال متكرفس ،همهم ،لن اكتب عن جدي بل ساكتب عن حبيبتي التي هجرتني وهذا ما جعلني اختار اقبح امراه واتزوجها،،تراجع القاص وزادت الانحناءة بظهره، لا لن أكتب عن حبيبتي بل سأكتب عن زوجتي الدميمة، واجعلها أعجوبة زمانها ،أعجب القاص بالفكره وهم بالانكباب علي الورقه ، تذكر ان زوجته ستقرأ القصه، ستحيل حياته الي جحيم :هل انا اقبح امراه ، ؟ سيضطر للكذب الذي تعوده، فيها، انت اجمل فتاه عرفتها، تسقط من بين اسنانها ضحكه حميريه الصوت ، تحركت يده وامسكت بالقلم مج نفسًا من سجارته اليتيمه،انجليزيه الصنع ، ضحك وطيف خواجات تراء له جميعهم ابطال كما يقول التاريخ عبر اسطر كتب مدرسيه،وجدتي تقسم بجدي انهم شجعان ،والتاريخ السري للمدينه يزعم انهم ابناء مواخير وساقطي هامش، دفعت بهم اطماع ارباب مصانع وكهنه كنائس ليستبيحوا ارضنا ، انتفض ضدهم جدي وامثاله ، رحلوا وتركوا اثار منها هذه السيجاره اللعينه ، تنهد القاص :صدقت جدتي، ان جدي وجيله هزموا الفرنجه الذين هزمونا نحن، تنهد سانتصر علي هذه الورقه ،ساكتب فيها عن جيش تقوده سيجاره ، ضحك الكاتب وغادرت الانحاءة ظهره، لفكره مشاهده سيجاره ترتدي زي كاكي اللون وتتمنطق بحزام، ومسدسها مدلي من الفلتر ، انها فكره عبقريه سأنال الجائزه ، بثمنها اعيد لامي ما سرقته من محفظتها ، انزل القلم بهمة مناضل ،علي الورقه ،انتفضت الورقه انتفاضه كالتي تحدث في بلدان العالم الثالث، نتيجتها اناشيد ، لشئ لا اعلمه ماتت رغبه الكاتب وعاد لكرفسته الاولي وعلي الطاوله وورقه صرعي وقلم ينتحب وعقب سيجاره تحت الطاوله ،ورماد علي ركبة الكاتب المعروقة. 

عبدالعزيز بركة ساكن



أنا،
 الأخرى و أمي.



عمري الآن خمسون  عاماً، وهو نفس عمر  أمي  حينما توفاها الله منذ ثلاثين سنةً بالكمال و التمام، وأحكي الآن عنها ليس من أجل تخليد ذكراها الثلاثين، كما يفعل الناس أن يحتفوا بذكري وفاة أمهاتهم اللائي  يحبون، ولو أنني أحبها أيضا إلا أنني أحكي الآن عنها تحت ضغط و إلحاح روحها الطاهرة، أقول ضغط و إلحاح، و أعني ذلك، على الرُغم من  أن أمي ماتت منذ أكثر من ربع قرن إلا أنني لم أحس بأنها ميتة، لأنها بالفعل لم تكُ كذلك، إنها أخذت إجازة طويلة ونهائية  عن مشاغل الدنيا الكثيرة و مني أنا إبنها الوحيد بالذات، رفيق شقائها و سعادتها، ولكن أمي حالما تراجعت- مع مرور الزمن- عن فكرة الإجازة بعد ثلاثين عاماً فقط، وثلاثون سنةً في زمن الموتى- كما تعلمون- ليس بالكثير، يُقَال أنّ موتهم قد يطول إلي الأبد.
بالأمس القريب بعدما قضيت نهاري الطويل في المدرسة حيث أعمل مديراً  في مرحلة الأساس، وأنفقت مسائي البائس في نادي المعلمين ألعب الورق و أثرثر، عُدت مرهقاً للبيت الذي  أقيم فيه وحدي، بعد أن تزوجت أكبر بُنياتي في هذا الأسبوع وذهبت مع زوجها تدب في بلاد  الله الواسعة، مثلما فعلت إبنتاي اللائي يصغرنها عمراً في السنتين الماضيتين، وتزوجتَ زوجتي أيضاً قبل أكثر من عشر أعوام من رجل يقولون إنه حبيبها الأول، بالطبع بعد أن طلقتني عن طريق محكمة الأحوال الشخصية بدعوى أنني لا أنفع كزوج أو رجل و أنها  كرهتني، ويعلم الله أنني لست بالشخص البغيض، و الدليل على ذلك  أن بناتي الثلاث إخترن أن يبقين معي في البيت ورفضن أن يذهبن معها إلي بيت والدها ثم إلي بيت زوجها الجديد: فمن منا البغيض  و المكروه؟ هذا موضوع لا أحب أن أتطرق إليه إطلاقا، فهي على أية حال أم بُنياتي الثلاث، كنت مرهقاً، زحفت إلى سريري زحفاً، رميت بجسدي علي اللحاف الطيب الحنون، فهو آخر ما تبقى لي من أمٍ وزوجةٍ و بنات، كان المصدر الوحيد الذي يمنحني الحنان بإحتضانه لجسمي النحيل الهرم، كعادتي أترك أضاءة خافتة فاترة تصدر من لمبة ترشيد إستهلاك صينية صغيرة بخيلة، إلى الصباح، و كدت أن أغمض عينيّ حينما سمعت كركرة كرسي على البلاط ثم رأيت على ضوء النيون الترشيدي الصيني البخيل، امرأة شابة تسحبه نحوي ثم تجلس عليه، قرب رأسي مباشرة، تحملق في  وجهي بِحِنِيةٍ لا تُخْطَأ، ولو أنه كان لوحيدٍ مثلي أن يخاف، بل أن يُجَن من الخوف، إلا أنني صحت في دهشة وترحاب غريبين.
-         الله، أمي آمنة؟
ابتسمت المرأة الشابة الجميلة الحنون، وقد بدأت تتحدث في هدوء، حكت قصة حياتي منذ ميلادي بالدقيقة و الثانية، حدثاً حدثاً، أخذت أستمع إليها في صمت وتعجب، كأنما من يُحكى عنه ومن يُحكى له ليس سوى صنوين لي ضالين، كنت اكتشف تدريجيا أن حياتي كُلها  معصية، و أنني كنت أجري وراء ملذات الدنيا وسقطاتها، ولو أن بعض الحوادث كانت تشير بوضوح إلى نُبلي ونقاء سريرتي، إلا أن المحصلة النهائية تبدو كما ذكرت،لا أدري كم من الزمن مكثت تحكي قرب رأسي، ولكنها بلا شك بقيت هنالك زمنا طويلاً، ولا أدري كم حكاية حكت، ولكنها بلا شك حكت حكايات شتى، و لا أعرف متى نِمْتُ ولكني بلا شك قد نمت متأخرًا جداً لأنني لم أستيقظ كعادتي - مثلي في ذلك مثل كل مديري المدارس - عند الرابعة صباحاً، بل أيقظني خفير المدرسة – مندهشاً- في فسحة الفطور حوالي العاشرة و النصف صباحاً، وثأثأ فيما يعني أنّ الجميع إفتقدني، لقد كان أخرس ذا لغةٍ ملتبثة. بقيت في رأسي جملة واحدة من كلامات أمي.
-         أنا كل يوم معاك لحظة بلحظة.
لم أحك لأحد ما دار بيني و بين أمي، خوفاً من السُخرية و الشماتة  أو أن أُتهم بالجنون، وربما قد أفقد وظيفتي إذا تأكدت الإدارة من أنني جُنِنِت،وخاصة أنّ  للبعض مصلحة في أن أُبعد، بصراحة  لديّ أعداء كُثر، تكتمت علي الأمر، إتصلت بي ابنتي الكبرى أمونة سميتها على أمي، سألتني عن صحتي و عن الوَحدة ولمّحت لي بأنه يجب عليّ أن أتزوج ولو من امرأة كبيرة في العمر، لأنني - في تقديرها- إحتاج إلى رفيق في وحدتي، و أنها تعرف أربعينيةً جميلةً  مطلقةً لها طفلان،إدعيتُ بأنني لم أفهم ما ترمي إليه، ربما لأنني لا أرغب في الزواج،فقد أصبحت المرأةُ عندي كائناً جميلاً، يَصْلُح لكل شيء ماعدا الزواج،في هذا المساء كنت مستعدا لمحاضرة أمي آمنة، جاءت وكانت في كامل شبابها و جمالها في أثواب نظيفةٍ ملونةٍ  زاهيةٍ تشع بهجةً، قالت لي
-         ظاهر عليك الليلة جاهز من بدري.
فجأة  خطرت لي فكرةٌ غريبةٌ، و شرعت في تنفيذها مباشرة، هكذا أنا أفكاري في أصابعي، مَدَدتُ أصابعي نحوها متحسسا أثوابها، فإذا بكفي تقبض الهواء، تمام الهواء،أما هي فقد اختفت، سمعت نداءها يأتي من أقاصي الغرفة،قائلة بصوتها الذي لم يفقد حلاوته طوال السنوات التي قضتها تحت التراب.
 -         أنا صورة وصوت، صورة وصوت  فقط.
قلت لها
-         أنا خايف تكون دي هلوسة...هلوسة  ما أكتر؟
قالت لي بذات الصوت الذي أعرفه جيداً و صاحبني طفولتي كلها
 -         أنا كنت دايماً قريبة منك.
أمي و أنا كنا صديقين حميمين، مرت بنا سنوات شدة عصيبة و سنوات فرح عظيمة أيضاً، أنا ابنها الوحيد ولا أب لي أعرفه إلي اليوم، منذ أن تفتحت عيناي علي هذا المخلوق الرقيق النشط الذي لا يستريح من العمل الذي يسعي مثل نمل الأرض بحثا عن حبة عيش نطعمها معا،كانت توفر لي كل شيء أطلبه، ومهما كان عصياً وأذكر أنني طلبت منها ذات مرة أن تشتري لي دراجة هوائية مثلي مثل صديقي في المدرسة و الصف و الكنبة : أبّكَرْ إسحق
و أذكر إلي اليوم كيف أنها انتهرتني بل قذفت في وجهي شيئاً كان بيدها في ثورة و غضب و أنها صرخت فيّ مؤنبة
-         إنت قايل نفسك ود مُنُو؟، ود الصادق المهدي؟
بالطبع ما كنت أعرف من هو الصادق المهدي ولكن سؤالها أثار فيّ سؤالاً آخر
-         أنا ود مٌنُو؟
ولم أسالها لأن السؤال نفسه لم يكن مُلحاً بالنسبة لي، لأنني لم أعرف قيمة الأب و لا أهميته ولا وظيفته بالتالي لم إفتقده،والآباء الكثر الذين في حينا لم يقم واحد منهم بعمل خارق تعجز أمي عن القيام به، بل أن أمي هي التي كانت تفعل مالم يستطع الآباء فعله، فهي تبني وتصون بيتنا بيديها،وتصنع السدود الترابية لكي تمنع مياه الخريف من جرف قطيتنا حيث أن بيتنا يقع علي تخوم خور صغير،ولم أر أبا فعل ذلك، كانوا يستأجرون العمال حتي لصنع لحافاتهم و مراتبهم وغسل ملابسهم، إنه لأمر أدهشني كثيراً، ضف إلي ذلك أنّ أمي تعمل خارج المنزل في وظيفة مهمة، إنها تبيع الشاي و القهوة عند بوابة السجن ويستلف منها الجميع، حتى المأمور نفسه، لذا إلتبس عليّ الأمر، والآن و لأول مرة أعرف من أمي أن من وظائف أبٍ غامضٍ  يُسمى الصادق المهدي تقديم الدراجات الهوائية إلى من هم أطفاله،  ولكن الشيء الذي  أطاح بسؤال الأب نهائياً أن أمي آمنة بعد ثلاثة شهور أو أكثر، اشترت لي دراجة هوائية، ولو أنها ليست جديدة تماماً مثل دراجة أبكر اسحق، وأنها مستعملة من قبل، إلا أنني فرحت بها جداً وخصوصاً بعد أن أكد لي أصدقائي أنها دراجة جميلة و هي أجود من دراجة أبكر.
                         أمي تعمل في صُنع الزلابية وأقوم أنا ببيعها للجيران في الصباح الباكر و تعمل فرّاشة في السجن ما بعد بيع الزلابية وشرب الشاي، وعندما تركت العمل في السجن، عملت بائعة للشاي عند باب السجن كمحاولة منها لتحويل زملاء الأمس إلى زبائن اليوم، وبالفعل استطاعت أن تكون منافساً حقيقياً لأم بخوت وهي إحدى زبوناتها في الماضي عندما كانت أمي تعمل  فرّاشة، أما أنا فذلك الولد الذي يَطلق الناسُ عليه  (وَدْ أُمُوُ) أعني لا أبرح مجلسها أبداً بعد نهاية اليوم الدراسي أحضر إلى موقع عملها، أغسل لها أكواب الشاي الفارغة،أحمل الطلبات البعيدة إلى الزبائن،أشتري  لها السُكر و الشاي الجيدين من الدكان، أحكي لها عن التلاميذ،الحصص و المعلمين، وعندما أنعس تفسح لي مِرقَداً خلفها فارشة لي بِرشاً  من السَعَف، متوسداً حقيبة المدرسة، عجلتي الجميلة قرب رجليّ تنتظرني: أنام .
                       قلت لها في جرأة
-         أنت وين الآن؟ في الجنة؟  في النار؟  في الدنيا ؟ ووين  كنت الزمن دا كله؟
قالت لي-         أنا هنا.
كانت تجلس في الكرسي كما هو في اليوم الأول،سألتني عن مبررات كل ما قمت به في يومي هذا، وكنت أجيبها بصدق، تعلق أحيانا أو تصمت في أحايين كثيرة، ولكنها بشكل عام كانت تؤكد علي أنه ليس مهماً  أن ما أقوم به مقبولاً خيراً أم لا، لكن المهم هو، هل أنا أجد مبرراً لما أقوم به أم لا، هل أنا راضٍ عن نفسي أم لا.
سألتني
-         هل توافق علي إقتراح بِتّكْ أمونة؟
قلت
-         أنا ما أظنني بقدر علي النساء، كبرت وفقدت الرغبة في المواضيع دي، و أنا الآن قادر أقوم بواجب نفسي بنفسي من طعام وشراب ونظافة، المرأة الحقيقية الوحيدة في حياتي هي أنت و كفاية.
ابتسمت أمي آمنة ابتسامة عميقة و حلوة، ثم تلاشت تدريجيا في فضاء الغرفة، في الصباح الباكر اتصلت بي ابنتي أمونة مرة أخرى وقالت لي بوضوح إنها سوف ترتب لي لقاءً مع أربعينيةٍ جميلةٍ  مطلقةٍ لها طفلان،ومن ثم أنا حر في أن إرتبط بها أم لا، قلت لنفسي
-         ماذا ستخسر؟  فليكن.
كانت امرأة جميلة، لها ابتسامة دائمة في وجهها، لا تحتاج لسبب وجيه لكي تضحك، فهي تضحك باستمرار، و تستطيع أن تقنع أي إنسان مهما كان متشائماً أن يرد على  إبتسامتها بابتسامة أخرى، حتي ولو كانت باهتة تعبة، ولكن الشيء الغريب فيها و المُدهش و المخيف أيضاً أنها ترتدي نفس الملابس التي كانت ترتديها أمي آمنة بالأمس، نفس الحذاء، نفس الصوت نفس الطريقة في الكلام نفس الوجه، نفس الإبتسامة، و استطيع أن أقول إنها نفس المرأة.

حمور زيادة

ولاء لم تعد تضحك


حين تضحك ولاء يأتي العيد قبل موعده .

تسرى السحائب محملة بالخريف الشجي ..

تؤذن المساجد ..

تتفتح الزهور ..

ترقص الفراشات.. و يفرح الأطفال .

ضحكتها يأنس لها الحمام .

لأسراب الحمام موعد يومي لا تخلفه مع ضحكة ولاء .

عصر كل يوم تأتي الحمامات ليقفن على سور المنزل و يرقبن ولاء تلعب . يمتعن نفسهن بمشاهدتها و يحرسنها من طيش طفولتها .

إذا تعثرت ولاء هدلت الحمائم في حزن .و حين تضحك ترفرف الحمامات ..

تطير حمامة بيضاء لها ريشات زائدات على صدرها فتنزل على الأرض أمامها . تحمل ولاء الكرة و تجري مترنحة بأعوامها الخمسة و تضحك صارخة فرحاً بصديقتها الحمامة .

و قبيل الغروب يحيينها الحمامات بهديل واحد منغم .. و يطرن .

ولاء صديقة الحمامات.

و صديقة الجميع .


ولاء وحيدة والديها.

لكنهما لم يشعرا يوماً بحاجتهما إلى غيرها من أبناء .

تدخل ولاء المطبخ و تجلس قريباً من أمها.

تعينها وسع طفولتها ، وتحكي لها عن حلمها أن تصبح طبيبة لتعالج مجدي ابن عمها المريض.

تضحك أمها و تخبرها أن مرض مجدي عابر عارض.

لكن ولاء لا تهتم.

تريد أن تصبح طبيبة تعالج مجدي و الأطفال و الحمام و القطط الصغيرة.فالقطة الرمادية صديقة ولاء كانت مريضة أيضاً.

حين أخبرتهم ماما سناء في الروضة أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها دمعت عيني ولاء.

تحب ماما سناء أن تسمع ترتيل ولاء للقرآن.

ولاء تحب سورة العصر.

تقرأها و هي مغمضة العينين.

حين ترجع إلى البيت يستوقفها والدها لتقرأ عليه. بعد أن تنتهي تحتضنه و تطبع على وجنته قبلة و تمضي.


الأضياف يقصدون ولاء.

ما أن يستقر بهم المجلس حتى يسألوا عنها.

تدخل الصالون خجلة ..

تجلس و هي تؤرجح ساقيها.

حين تسود الإلفة تغني ولاء.

تنظر إلى جواربها الصفراء المطرزة بخيوط بيضاء ترسم أرنباً ضاحكاً يحمل جزرة و تحرك رأسها يمنة و يسرة.

ولاء تحب أغاني نانسي عجرم و جواربها الصفراء المطرزة برسم الأرنب.


حين تخرج ولاء بضحكتها إلى الشارع تُسعِد الجيران و تُبهِج الحيطان و تُفرٍح البيبان المتكئة على بعضها مللاً وتُطرٍب أعمدة النور .

صابر صاحب الدكان يوزع الحلوى فرحاً بضحكة ولاء .

و يكف الصبية في الميدان عن الشجار و يبتسمون .

لضحكة ولاء نكهة العيد .

لها إلفة التكبير و بهجة الأطفال بالهدايا و رائحة الخبيز و فوح الثياب الجديدة .

ضحكة ولاء هي العيد .


ذات نهار خرجت ولاء .

خرجت تعلن الفرح في كل الحي .

وقفت أمام الباب بفستانها الأخضر و ضفيرتها ترتاح على ظهرها .

تحمل عروسة بلاستيكية لها عينان واسعتان زرقاوان و شعر أشقر ، تضحك إذا قلبتها على ظهرها . لكن أحدا لا يسمع هذه الضحكة . الجميع يتسمع ضحكة ولاء .

حيّت المارة و الشمس و الحمام بضحكتها .

كانت الخالة سمية على باب منزلها تساوم بائعاً .

الخالة سمية بدينة قصيرة تحب النميمة و تهوى الشجار.

حين سمعت ضحكة ولاء سخت نفسها و ابتسمت .كفت عن المساومة .

حين سمع الضحكة رفع صابر صاحب الدكان رأسه عن قدر الفول .

رأى ولاء تتقدم إلى الطريق.

تذكر زوجته التي تركها في البلد و أولاده فدمعت عيناه محنّة .


أم ولاء لا تخشى عليها الطريق .

كل الحي يحب ولاء .

كل الحي يحب ضحكة ولاء .

تدخل ولاء أي بيت و إذنها ضحكتها . تلعب وتضحك . ثم تذهب مخلفة السعادة .

لا باب يغلق في وجه ولاء .

كل البيوت بيتها .


تقدمت ولاء و هي تتهادي .

ضفيرتها تترنح على ظهرها ذات اليمين و ذات اليسار و شرائط بلون الفستان تنسال منها .

دخلت بيت الخالة فوزية التي تحب ولاء سنها الفضية التي تلمع حين تبتسم.

هشت لها المرأة و ملأت جيب فستانها بالحلوى .

خرجت ولاء و هي تضحك بنكهة النعناع و البرتقال الحامض .

و في بيت عم إسماعيل الموظف المتقاعد اللطيف اكتسبت ضحكتها نكهة عصير المانجو الذي تحبه .

وزعت ولاء الفرح على كل البيوت التي دخلتها .


ثم قصدت بيت الخالة عواطف .


ولاء لم تكن تعلم أن عائلة الخالة عواطف سافرت قبل أيام لعزاء في مدينة بعيدة.

حامد ابن أخت الخالة عواطف جاء ليقيم في البيت ريثما يعود أصحابه .

لم تكن تعرف هذا .

لكنها حتى لو عرفت لدخلت .

ولاء لا تفرق بين بيوت الحي و لا تفاضل بين الكبار .

كل البيوت تنتظر ضحكة ولاء و كل الكبار يحبون ولاء .


دفعت ولاء الباب الأزرق .

حيتها قطع الطلاء المتساقطة و تلمّع الصدأ تزيناً لها .

قرقع الباب بمسها فحيته ولاء بابتسامة وضاءة .

دخلت البيت .

وقفت في الفناء .

ضحكت فهشت لها الحيطان و رحب بها حبل الغسيل الممتد بعرض الرحبة .

جلست على الأرض الترابية و أجلست عروستها جوارها باعتناء .

كأم رؤوم أخذت ولاء تصلح ثوب عروستها .

فستان ولاء استقر على ركبتيها فلعبت أشعة الشمس على ساقيها الطفلتين و لمعت على الحذاء الأسود .


خرج حامد من إحدى الحجرات .

ضجراً نعساً أشعث الشعر .

رأى ولاء جالسة على الأرض .

نظرت ولاء إليه و ضحكت .

لم تعرف ولاء عمره .

هو فقط شخص كبير أخر من الكبار الذين يحبون ضحكتها .

لم تفهم تلك النظرة في عينيه لكنها ضحكت .

ابتسم لها حامد .

ولاء لا تعرف ألوان الابتسامات فلم ترها صفراء .قال لها شيئاً ما .

نطق و صدره يعلو و يهبط .

لم تفهم ولاء ما قال .

امسك يدها .

قادها إلى إحدى الحجرات .

جرّت ولاء عروستها و مشت تحجل وراءه و هي تنظر إلى ظليهما يهربان بعيداً جداً.

امتد الظلان من أسفل أقدامهما حتى حائط البيت .

رأت ولاء ظلها يتطاول حتى قمة الحائط كأنه يحاول التسلق فالفرار.

ضحكت ولاء لأن ظلها بدا مضحكاً بطول ساقية من تحت قدميها حتى الحائط.

لكن حامد لم يضحك.شدّ قبضته على يدها .

دخلا الغرفة .كانت مظلمة رائحتها خانقة من طول إغلاقها .سريران حديديان على جنبي الغرفة و دولاب إحدى مصراعيه مرايا غائمة و طاولة صغيرة في وسط الحجرة .

أجلسها على سرير و جلس جوارها .

ولاء انشغلت بتمشيط شعر عروستها الأشقر .

احتضنها حامد و هو يضحك .. ضحكته كقرع على خشب أخوف.

لم تحس ولاء بنكهة الفرح في ضحكته.. لكنها لم تعرف أبداً أنه يضحك في توتر.

اكتفت بالابتسام و مررت يدها على شعر عروستها و هي تنغم مغنية " شخبط شخابيط " .

احتضنها حامد بإحدى يديه.

وضعها على كتفها و أحاطها بها .يدها لا تستطيع أن تمشط عروستها و حامد يحتضنها هكذا. تململت قليلاً.

حملها حامد فأجلسها على ساقيه .صارت يدها طليقة . احتضنها من نصفها مدخلاً ساعده تحت ذراعيها .

انكبت ولاء على عروستها باهتمام.

أنفاس حامد جوار أذنها تتردد.

تلمح بطرف عينها انعكاس صورتيهما على طرف المرآة الغائمة.

لكنها تشاغلت بعروستها.

قبلها حامد من الخلف بخفة.

تحرك بشفتيه على عنقها .

أحست شيئاً دافئاً مقبضاً يتحرك في أمعائها صعوداً إلى حلقها .

تململت في جلستها و رفعت رأسها .

جسد حامد أسفلها تحرك .

اشتد و ارتفع بدفء جلستها .

شعرت بانتفاخه أسفلها.

خافت ولاء..تشتت انتباهها عن العروسة .

لمع القلق المجهول في عينيها الواسعتين.

احتضنها حامد أكثر.عصر جسدها الصغير على جسده .

تألمت ولاء .

حاولت أن تدير رأسها لتنظر إليه.

لكن حامد دفن وجهه في شعرها .

اضطرب جسدها فاصطدمت عروستها بركبة حامد.

دفعها بيده بغلظة فأفلتت من يد ولاء ووقعت على الأرض.

صعدت العبرة إلى حلق ولاء.ذهب استئناسها و خافت.

كانت وحيدة في الحجرة.

كانت وحيدة..

فأمها ليست هنا ..

كل الذين يحبونها ليسوا هنا ..

و ضحكتها ليست هنا .

أما حامد فهو كبير و معه الخوف يعينه عليها .


رفع فستانها فكشف فخذيها .

فخذا ولاء طفلين كحالها.

لامعان مشدودان في براءة .

لكن حامد لمسهما.

أحست ولاء بثقل حار و بارد في صدرها.

برودة تفح سخونة .

حرارة تشع برداً .

ولاء لا تعرف هذه الأحاسيس.

حاولت التملص لكن حامد دفن يده بين ساقيها.

استكانت ولاء برهة دهشة.

ثم دهمها الإحساس فانتفضت.

دفعت جسدها إلى أسفل لتنزلق عن ساقي حامد .

لكن يده احتجزتها و آلمها انتفاخه في التصاق ردفها النحيل.

دفعها إلى الخلف و قد أبعد جزعه فألقاها على السرير.

نظرت ولاء فرأت الخوف يكشر لها أنيابه و يجحظ عينيه في أرجاء الغرفة.

بكت ..

في صمت الدهشة ..

مد حامد يديه فنزع سروالها الداخلي .أبيض اللون عليه فراشات ملونات دقيقات. ألقاه أرضا فاستقر على صدر دميتها.

الهواء يمس جسد ولاء فترتعش.

حامد يثبت جسدها بجسده و أصابعه تجوس على فخذيها.

صرخت ولاء.

مد يده إلى فمها فحجبه بكفه.

يده الأخرى تعيث في جسدها.

من شحمة أذنها إلى عنقها ثم تندس بين فخذيها .

حاولت – عبثاً – أن تبعد فخذها حين لمسه فثبت جسدها على جنبه الأيسر و زحف بيده إلى مؤخرتها.

احتواها الألم ..

الخوف ..

و الوحدة .

كانت بلا معين.

تعصف بها أحاسيس لا تفهمها.

تطيح بها.

توجعها.

نهض عنها و نضى عنه ثيابه.

نظرت إليه و هي منكفئة على الفراش تنشج في خوف بلا صوت و دموعها تسيل من أنفها على الفراش.

وقف أمامها عارياً.

توسلته ولاء

." عمو أنا خايفه !!! "

لكنه لم يهتم.

" عليك الله يا عمو ".

ولاء لا تعرف ما يحدث..

لكنها فهمت أنه العيب..

أنه الخوف.

صرخت ولاء.

نادت أمها .

لكن أمها لم تأت.

ما جاء كان الوجع.

هجم حامد عليها

.ثبت صدرها بساعده و بيده الأخرى فرج ساقيها كاشفاً ما بينهما.

قطة وردية متكومة على نفسها.

صرخت ولاء.

أحست الألم بين ساقيها.امتد إلى بطنها حتى صدرها و إبطيها.

امتلأت به.

حاولت أن ترفع نصفها الأعلى ناهضة لكن حامد جثم عليها فشلها.

سالت الدموع حارة على خدها. انحدرت إلى عنقها و صنعت دوائر بلل على الملاءة .

امتد بصر ولاء إلى السقف.رأت وزغاً يفر من طرف بصرها و هو يصّيح .صوته كحصاتين تقرعان.

ولاء كانت تخشى الوزغ.

لكنها لم تحس الخوف منه الآن.

شعرت بالخجل.

انه يطّلع عليها.

و هي تستحي مرتبكة مما تجهل.. و تبكي من الألم الذي تحس .


تحرك بشدة.

تحرك بما في داخله و بقدر خياله و حاجته

.و تألمت ولاء.جأر حامد و هو يضع كفيه على كتفيها الصغيرين.

انحدر الفستان عن كتفها الأيمن فبان قميصها الداخلي و جزء من كتفها المرمري.

أصابع حامد الغليظة ارتسمت عليه.

عبئها الوجع إلى حد الانفجار.

نزع حامد نفسه منها.

أحكم أصابعه على عنقها و أسند كفه الأخرى تحت مؤخرتها و حولها على وجهها.

غاص وجهها في الفراش.

جوار أنفها كان مزق في الفراش برز منه قطن الحشية و قد حال لونه الأبيض.ارتمى حامد فوقها.

أحسته يلج مرة أخرى و سمعت صوت طقطقة جسدها يتفتح قبل أوانه.

سال بولها بارداً ثلجياً.أحست به.

لكنها لم تحس الدم الذي تسرب.


حامد يهتاج.

تتململ ولاء .

تنتفض.

يثور جسدها.

ينقبض و يرتخي.

حامد يحكم تثبيتها على الفراش.

يمتد الوجع.

يتطاول.

لا ينتهي.

تحس أنها ولجت الأبدية.

حامد يعذبها منذ الأزل و يتواصل الألم حتى الأبد.

مات الزمن.

طفولتها لم تعد تحسن حسابه.

منذ كم هو يفعل هذا.

متى يتوقف عن فعل هذا.

منذ الأزل و إلى الأبد.

تنشج ولاء.تنخر بكاءً . تشرق بدموعها. تنتظر الرحمة فلا تأتي.تتوسل الفهم فلا تجده.

يضغط حامد على عنقها من الخلف.

يعتصرها أكثر على الفراش.

يجأر عالياً.

رائحة دهنية تتسلل إلى أنف ولاء من الحاشية.

ينثني عنقها تحت ضغط الجاثم فوقها.

الدم يسيل من أسفل لكن حامد لا يكف.

يتحرك.

جسدها ينقبض.

كلما ازداد لذة زاد ضغطه على عنقها.

غامت الدنيا أمامها.

غشاوة سوداء كسحابة مثقلة بالخريف تلاعبت أمامها.

الخور جاب جسدها.

تنتفض فلا ينتفض.

انه يخذلها.

ما عاد لها.

تملكه الدنس.

دموعها تسيل.

أنفاسها يحبسها الفراش.

تشرق ..

تنخر ..

تئن ..

انه الرحيل.

ترى الحمامات تحّوم حولها.

تدعوها.

تنسى وجعها ..

تشرع إدراكها خلف سرب الحمام الأبيض.

تحلق للحظة.

ترى نوراً يلفها و تسمع ضحكات أطفال كموسيقى منعشة.

ثم تعود.

حامد فوقها.. يخنقها من الخلف .. ما زال يجأر.

الرحيل..

لا فرار إلا خلف الحمامات.

تذوب ولاء.

تنطفئ.

نشيجها يخف.

عيناها تخمدان في إعياء.

يغزو السواد رؤاها.

تنزلق من الوجود إلى دهليز أخر.

تسيل.

تتمتم في إعياء:" عمو لأ " .

نخرت مرة أخيرة.

ثم همدت.


رفع صابر صاحب الدكان رأسه في الخارج.

كأنه سمع صوتاً.

كلا.

لم يسمع صوتاً .

انه صوت سكت.

صمت له رجع و طنين دوى في الشارع.

زفر في توجس و خرج من دكانه ينظر ما تغير في الدنيا حوله.رأي في الشارع حمامات تطير فجأة مرفرفة.

حلقت..

هدلت ..

كأنها تنوح.

انطفأ العيد.

السحب ترحل الآن..صمتت المساجد المكبرة..اتكأت الزهور على سوقهن ..والفراشات تغادر فزعة..

حمامة وقفت على حائط بيت عواطف و ناحت.

حمامة بيضاء لها ريشات زائدات على صدرها.

خيل لصابر أنها تقول " لا .. لا .. ".

استغفر ربه عجباً و دخل دكانه.لم يعرف حينها ما حدث ..

ضحكة ولاء سكتت إلى الأبد.


في البيت انقبض قلب أمها ..

كانت تقف في المطبخ حين مسها جزع.

وضعت يدها على صدرها و تمتمت :

" اللهم اجعله خيراً " .