الجمعة، 9 يناير، 2015

سلمى صلاح الدين

يناير الأخير.. موت شتاء وربيع العودة إلى الله

سلمى

قبضة الرجل تؤلمني.
قبضته على معصمي تؤلمني ويد أخرى تهزني فيصعد السائل إلى حلقي، سائل آخر يرتديني اليوم (أصبحت معرضاً للسوائل).
أمي بردائها الأخضر تقفز من حلمي لحافة الفراش وأخي خلفها، يصعد ظلهما علي جسدي، تهزني، أتمطى، أبتسم بعينيّ وتقابلني عيناها حمراوين – على غير العادة – أود لو أملك صوتاً ليرحب بها، لكن صوتي كان ما يزال نائماً جواري.
تلبسني، تتمتم في أذني –كعادتها- كلما صحوت ببضع آيات، تصب في جوفي السائل الأبيض، تفرك رأسي ثم تسحبنا خلفها، نتجاور على عتبة الدار الخارجية، تتوسطنا حقيبة بفمٍ مفتوح تتطاول عبره قطع ملابس أقحمت على عجل، غريب!!
أسألها :
- إلى أين يا أمي؟
- إلى جدك يا منتصر.
دقائق ويملأ الهتاف المكان، مركبات وخلق كثير، تضيع أمي مني وسط النسوة الملتفات بالثياب ويضيع أخي، أراه بعيدا بعيدا محمولا على أكتاف البعض وأنا كما أنا، يتجاذبني غرباء يكبرون يهللون ونسوة يغردن..
قلت أصبحت معرضا للسوائل، أنا صاحب السنوات الأربع ولأول مرة أفعلها على نفسي، الجو بارد فنحن في (يناير)، معدتي يملؤها الحليب وأمي نسيت أن تأخذني لأتبول، كل هذا ودوار يمسك بأذني رأسي ويشدهما، حاولت أن أعدو تجاهها.. أمي.. لكن السائل يملأ بطن حذائي وينذرني بالخروج، وبساقين ملتحمتين – خجلا – ومن مكمني خلف بوابتنا وقدمي تدوس أختها، رأيته..وجه أحبه ويحبني، يشق الجموع،
يطوي المسافة بيني وبينه، وكأن عينيه خُلقتا لأجلي، لوهلة حسبته يطير، لوهلة أخرى تنهدت بارتياح، ولوهلة أخيرة صرخت بصوت قطعه النشيج: عم عامر.
عامر يقبض بقوة على رسغ أخي الذي يكبرني بعامين، معتصم يمسح شيئا ما عن عينيه بظاهر يده، شيء بحثت عنه فلم أجده، لكنه وجدني حين رفعني الكف الذي أعرف لأسكن صدر عامر، شيء حار وقاتم، هاجم سني الأربع وعضني حتى العظم، وقتها لم أكن أعرف أن اليتم مبتلٌّ ومالح وأنه مناسبة لأجلها الأغاريد ُتطلق.
تلوح لي – من مأمني – قامة أمي (ليت عامر يحملها هي أيضا)، إحداهن تنحني تحتها تلبسها جوربا وأخرى تلازمها تشد الثوب على رأسها بتفانٍ غريب، ووقتها أيضا لم أكن أعلم أنهن يهيأنها كعروس تليق بعرس شهيد، أمي يا نسوة لا تحتاج أيديكن حتى تحتشم ولا زغاريدكن كي تواصل قدماها حملها، أمي – أصلا – لم تكن في المكان حيث نحن، أعلم جيدا ما يعنيه أن تتمتم بفم مرتجف، أن تخرج مسبحتها العاجية وتمرر حباتها بين أصابعها الطويلة السمراء، كل حجر بتسبيحتين، يعني أنها ليست هنا، يعني أنها هناك، تتزود بما تحتاج من معين لا نراه يعني أنها حزينة..
لا خائفة…
أنا منتصر كنت الخائف من بين الجميع.
وعامر الذي صعد بي ومعتصم إلى صندوق العربة المكشوف، أتشبث به، أدفن
وجهي في صدره فيطالعني وجه أبي: عامر أين أبي؟ أين أبي يا عامر؟
يحني الرجل رأسه، يضمني أكثر.. يضمني حتى أختنق،
لكن كَفَّيْن تنتزعانني من الرائحة التي أعرف للرجل الذي لا أعرف، تربطان شريطاً أحمر على رأسي فيكبر الجميع، خائف أنا يا أمي يا أخي أنا خائف، ومعتصم يتوسط الرجال على ظهر (البوكس) أحدهم يلقنه كيف يضم أصابع يمناه ويفرد سبابته ويشير بها للسماء…
كانوا يحتفلون…
وأنا كنت خائفاً يا أبي خائفاً.
قبضة الرجل تؤلمني، قبضته على معصمي تؤلمني.
_كُن رجلاً
_لكننى لست رجل…أنا منتصر..
تنقذني قبعة ما، قبعة وضعها الرجل – الذي ينادونه إبراهيم – على رأسي فيختفي المشهد من أمامي، الإسفلت الممتد إلى لا نهاية، عامر، الرجال معتصم، ورتل السيارات ونصّبت أذني رابطي بالغليان حولي….
سبحت عيناي لوهلة في العتمة عندها أرسلت دمعي دافئا، أرسله وأشد القبعة حتى حافة أنفي – لتخفي سائله – (أصبحت معرضاً للسوائل) والقبعة بلونها الأخضر ورائحتها الخانقة تمتلئ بالوجوه الفزعة ولسان مشقوق لمسخٍ قبيح، يمده فيلعق الحلم بحياة تستقيم بلا اعوجاج، أقسم أني رأيت تحت قماشها القاتم وجوهاً ينقصها الابتسام، وجوهاً تشبه رفاقي في الصف قبل المدرسي: نضال، أيزك، حسن، وآلاء….ترى من منهم يجلس الآن على مقعدي قرب الممر جوار آلاء؟ حسن سيفعلها، حسن سيضايقها، أفكر حينها في القفز، أسند حافة القبعة على أنفي، أرفع رأسى رويداً…رويدا… تردعنى سرعة انفلات أعمدة الكهرباء على جانبى الأسفلت.
والعربةُ تكاد تطير، والغليان يسحقني، والرجال من حولي يهتفون، تهديني القبعة نعمة أن أكون هناك، أتقافز في الممر الرملي الذي يقسم باحة المدرسة لنصفين بنباتات صباح الخير على جانبيه وطابور الصباح والرفاق الصاخبون وزينا الأزرق، وشرعت أحيي العلم، ضممت ساقيّ بقوة وأنا أغمغم باللحن الأخير – كما كنا نفعل – واستدرت أتبع الممر الرملى – داخل القبعة – إلى حيث نجلس، برودةٌ تلسع صدري، وصوت عامر يأتيني صارخاً: منتصر… منتصر.. كنت ملتصقاً بحافة العربة الباردة وعلى وشك سقوط….
معتصم… تسرى إليه حمى الهتافات فيشارك الجمع ما لا أعرف ولا يعرف….
وأنا…
سجين، ساعد عامر وساقيه… وقبعة خضراء تمنحني فرصة ألا أكون هنا.
والطريق يتلوى صعوداً وهبوطا والعربة تبتلع خيط الإسفلت تحتها وتتقيأه على طرفها الآخر، خلع الرجال ما ارتدوه صباحاً، الواحد تلو الآخر، خفت حدة الهتافات وتخلل الهواء دخان التبغ ومعتصم عاري الكتف بقميصه المنزاح من كثرة الجذب وفم خطه الزبد، شبه دائخ، وحده عامر لم يغادر نفسه، ولم تخف قبضته من على معصمي مروراً بخاصرتى وأنا…
أنا كنت هناك.
دفعت الباب وخرجت، يصفعني مزيج الشمس الحارقة وبقايا برودة ليل الأمس.
كنا في (يناير) تماماً كم كان قبل خمسة عشر عاماً، استقبلني الطريق الذي أعرف، دست عليه بخطىً خفيفة مخافة أن ينشأ بيني وبينه ودٌ وعناق، علمني ذاك اليناير ألا أقع أسيراً لحب الأماكن، وعلمتني توائمه التى تلته أنه وبلا أبيك ستختبر مراراً كيف تفارق الأماكن وتفارقك الشخوص، يومها كنا قد اعتدنا الزحف بمتاعنا القليل من قلب العاصمة إلى الأطراف فالأطراف، وها نحن ذا على حدودها حيث يغيب وجهها المتبرج ويحل بديلاً عنه وجه ريفي هادئ لأحياء أشبه بالقرى، يُخالط الناس فيها دوابهم بألفة.
خرجت تقودني ذاكرة حذائي إلى حيث اعتدت الوقوف في انتظار الحافلة تحملني إلى قلب المدينة…
أقْصُد جامعتي، الرسالة التي أضاءت شاشة الهاتف أمس كانت من سطرين مقتضبين وتعنى الكثير :
(تعال مبكراً للجامعة…الملاعين سيخرجون في مسيرة..ننتظرك في المسجد).
ترآى لى حينها وجه حسين فانقبضت.
الحافلة تهتز وتتوقف وعطر ما يجبر الأعين على الالتصاق ببابها، الجسد البض يجلس قبالتي، فتفرك رجولتي عينيها، ينتهرها الشاب الذي يرتديني لسنوات، أغمض عينى وجهي، وأرهق رئتيّ بشهيق حاد، إمام جامعنا في الحي الجديد، لا أدري من أخبره عنّا، يسبغ عليّ مدحه كلما التقاني، فقط لأن أبي مدفون في مكان ما، بلا شاهد يحمل اسمه وتنمو على رأسه نبتة لا يعرف حتى اسمها…
يصعد للحافلة طفلان ورجل..
يجلس الأصغر على حجره والثاني قرب الفتاة، كانا في مثل أعمارنا يوم هبطنا الخرطوم – قسراً – حينها تذكرت العربة الأكثر التصاقاً بي في ذلك الوقت، الحافلة الصدئة ووجوه الصغار بالشفاه المرتجفة..
معصوبي الرؤوس بعصابات حمر…
يتشاركون الزيّ العسكري نفسه، إبراهيم (والذي لم يرجع قريته من يومها) يجلس في المقعد الأمامي ومسجل يزعق بأغنيات سياط على أجساد سوداء، ورغم تشاركنا المهمة ذاتها لأشهر، لم يكن أحدنا يعرف الآخر، لم نشعر ربما بجوع السؤال وتخمة الإجابات ملء الأعين والقامات القصيرة، يوحدنا مضغ اليتم بلا توقف وبجنون، نساق لطفل جديد فقد أباه، نتنقل من (عرس شهيد) لآخر نهتف وننشد ونحمل على الأعناق، معتصم لم يكن يرافقنا، إبراهيم دائماً يختار اليتيم الأصغر، يشحن الموقف بعاطفة يتناولها الجميع فتحجب عنهم نعمة السؤال وحاجتهم إليه.
وأنا.. منتصر، كان جل ما يهمني وقتها أن أشق بعيني كتلة الجموع الهاتفة أبحث عن رأس الصغير الذي قصدناه، أبحث عن قبعة ما تسمح لبعض ذعره أن يتحرر تحتها، قد أجدها فأعلم أن ثمة ممرا رمليا يرتاده الصغير الآن وقد لا..
فأكاد أرى الكائن القبيح يعتلي رأسه يلعق زهو الطفولة ويصب الجحيم عبر أذنيه.
سيذهبون يا صاحبي…
سيذهبون ولن ترى منهم بعد اليوم سوى إبراهيم.
نقضي يومنا هناك ثم نستعد لنغادر، ومن مقعدي جوار النافذة، كثيراً ما كان يحتل السرداق الخالي زحفا لأطفال يشبهون أيزاك صديقي، غير أنهم قليلاً رماديون، يتشاركون القسمات نفسها والرجال الأعداء على شاشة التلفاز، يجمعون بقايا التمر.. وقطع الحلوى التي داسها المحتفلون، وأذكر ساعة أن انحنى أحدهم يرفع قبعة قماشية خضراء يخفي بها عينيْه…
ينتزعها فزعاً ويعدو يلحق بالبقية، أعلم جيداً ما رآه.
في طريق العودة كنا ننتجاور واجمين، المسجل يصيبه الخرس وإبراهيم مشغول بعد حزمة اوراق نقدية _ وهو يبتسم _ يوزع علينا مظاريف بها بضعة جنيهات…
وكيس ورقي به سكر..
شاي وحليب مجفف، أتذكر أمي، أشد على أصابعي فتبيّض..
وأسند رأسي على ظهر المقعد أمامي.
يناير يتلو يناير، يقتل أخي نفسه صمتاً، أمي يشعل البياض شعرها، ويخلو من اللحم ما كان مكسوا، أنا، منتصر تستطيل قامتي ويستغني عني إبراهيم…
عمري لا يناسب الدور ونظراتي فقدت تأثيرها، تتساقط من حولي الأشياء ويبقى اللقب وحده ملتصقاً بي (ود الشهيد د.عبد القادر) ينشب أنيابه في إنسانيتي، يرغمني على ابتلاع لساني كلما هممت بالسباب يثقل خطوي كلما أطلت عائشة ورفيقاتها من زاوية الطريق، يتعارك صبيان لإظهار قوتهما يغني آخر، يسب آخر، وأنا أود لو كنت أخف قليلاً….
لفعلت
جلست في المسجد أرقب حسين يتحرك بخفة بيننا لا تتناسب وضخامة جسده…
بتوترٍ يُفرغه في لحيته، حسين يعصر معدتي ثقل كلما قابلته، الرجل حتى لم يكن طالباً معنا، يُقارب عمره عمر أساتذتنا لا نحن، كنا نعرفه باسم المجاهد حسين، يخطب فينا ملوّحاً بيده اليسرى وموضع إبهامه خالٍ، ولإبهامه قصة يعرفها الجميع، دخلنا الجامعة فوجدناها هناك، حسين فقد إبهامه في المعركة، يرهبني صوته الجهور وعباراته الضخمة، أعداء.. كفرة…الشهادة كصحابي…الموت ككلب…الوطن… العروبة….الرباط.. التضحية، انقسم أمامه لمنتصرين، الأول يتابعه بحماسة ودم متسارع، والثاني يشد على منكبيه دعة أمه ورقة عامر.
واليوم…
اليوم ويناير في المدينة مقيمٌ لا زائر، كان الأول يجلس على صدر الثانى ويهز رجليه فرط حماسه، يعقد حاجبيه ويكبر.
لا أذكر كيف؟
متى؟
ولمَ؟
لكنني وجدتني أحمل أنبوباً معدنياً ثقيلا، أتقدم الصفوف خلف الرجل، نصطف، يضع هو كرسياً وننشئ نحن حوله حلقة وظهورنا للحلقة جوارنا، وفيها يعتلي حافظ منضدة حديدية فقدت إحدى قوائمها ويسندها طالبان، يبدأ حسين في الصراخ، يشير بعصاه للحلقة الثانية وحافظ لا يهتم، يتوعد بالخزي والعار، وحافظ أيضاً لا يهتم، يخلط الآيات بالسباب (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) رجال لا كلاب وخونة….
كان دوماً ما تلا رجال التي في قلب الآيات…
ومنهم من ينتظر يكررها لدقائق…
يمسحنا بعينيه يتوقف، ويقذف ظهر حافظ بعصاه.
أذكر بعدها أنني نمت في مسجد الجامعة والجرح على جبيني يوقظني كلما ثقل
رأسي وسقط، كنا في رباط حتى بعد غدٍ – يوم المسيرة – رباط داخل المدينة، قريباً جداً من أمي..
بعيداً جداً عنها…
يوقظنا صوت الآذان، نتوضأ، يغلق حسين المسجد إلا منا، تأتي عربة ما بالشاي والحليب والحلوى، أتذكر أمي فأشربه بلا سكر.
والنهار ينتصف كنا قد أعدنا تنظيمنا، تجمعنا ثم شرعنا في التحرك، القامة النحيلة تشق الجموع، تماماً كما حدث قبل سنين عددا، لكن الكف الأيمن خلا من أخي حينها، واعتصرت أصابعه بعضها، يطوي المسافة بيني وبينه، وعيناه كأنما خلقتا لأجلي، لوهلةٍ حسبته يطير، لوهلة خفت ولوهلة أخيرة همست: عامر.
عامر أخفاه الجسد الضخم الذي قطع الطريق بيننا، يأتيني صوته:
_منتصر
يرد حسين :
_منتصر في رباط
يستدير حوله ينوي تجاوزه، يدفعه حسين، فيقبض عامر على يسراه ولا يسقط
..
الجسد النحيل يقف كالطود بيني وبين حسين ممسكاً بيسراه.
_أين إبهامك يا حسين
عامر يعرفه !!!
يكتفي حسين بالسكوت
يصرخ عامر
_أين إبهامك يا رجل… ويلتفت يخاطبنا، بم أخبركم، ها؟
يندفع أحدهم نحو عامر، نحو أبي فيجدني أمامه، للحظة خنق في (الأول) و(الثاني) استقام
_حسين عبد السلام، من مواطني النيل الأزرق، فقد إبهامه في ورشة النجارة التي يملكها والده، وهوعلى عكس ما يدعي لم يرتد حتى معسكرات التدريب ناهيك عن جهاده، الرجل لا يعرف جوبا من ملكال…توريت من واو..بانتيو من نمولي، يتكلم بقوة. عامرُ كان، يتحول حسين من الصلابة إلى الغازية مروراً بالسيولة، يتلاشى من المكان كغاز أطلقته أمعاء مريض متعب، ابتسمت وأنا أتخيل الخارطة بمؤخرة تخرج حسين وأمثاله إلى مكب حقير.
تجاورنا صامتين طوال الطريق، تلقفتني أمي، وانزوى معتصم يرقبنا من بعيد، أذكر بعدها كيف أخبروني عن عامر الذي هاتفهم مساء الأمس من قريته بأعلى الصعيد، وكيف قطع المسافة بيننا بست ساعات لا أكثر.
ويناير يحتضر…
عربة تقطع ذات الطريق صعوداً إلى حيث يتجلى الوطن، سائقها ورفيقه يتسامران، وأنا في صندوقها الخلفي ومعي…عامر.
عامر أنا خائف يا عامر
يجيبني الجسد الملتف بالبياض سكونا، عامر وأنا وعربة بصندوق خلفي والطريق نفسه الذي قطعناه ذات يناير قديم، أحن للساعد الملتف حول خاصرة الصغير _ يومها _ وللساقين تحوطانني، أنكفئ أقبل عامرا، أبكي يومين من شتاء العمر، أودّع جسدين لا واحد.. أبوين لا واحد، صدرين لا واحد،
من يدفع عني اليوم ما دفعته عني يومها؟
يعضني…يعضني…يعضني يا عامر، منتصر لم يكبر بعد
لا تزال ثمه أسئلة لم تجاوبها يا رفيقي بعد، وصلوات لم نتشاركها ومعارج للروح ما علمتنيها، يوم وداعك يا عامر غاب الرفاق…
بعضهم يظهر على شاشات التلفاز والبعض يتصدر عناوين الصحف، يختلفون في كل شيء ويجتمعون على الغياب..
(الرفاق على الأوسط، وعامر وأبي على السبابة)..
الرفاق على الأوسط وعامر وأبي على السبابة.
-منتصر…..
وكفك على كتفي ليله الأمس القريب وراحتك تبسطها أعلى منضدة عليها أكواب الشاي.. تفرد سبابتك وأوسطك _
وتضم البقية تأبى أن تفلت كتفي، ترفعها لفمك تشير بلسانك حيث منبت الأصبعين :
هنا كانت البدايات يا منتصر ثم ولسبب ما تنبت للجذر الواحد ساقان : أبوك وآخرون يجلسون على السبابة، والأغلبية يسيرون على الأوسط، تتسع بينهم المسافة بمقدار قاتل، يتحدى مساءات السقيفة في منزلكم…
هناك حيث
كان الله حاضراً والوطن هم نحمله ونناجيه….
يتحدى أصل الفكرة، يقودني إلى الجنون يا ولدي.
أمي والتي صارت أقصر قامة _وكأن شيئاً ما يمضغها من أسفل _أرى التماع الدمع في عينيها يعكسه المصباح اليتيم _مثلنا _المعلق
في باحة المنزل
والصبح يتنفس وقبة السماء تفارقها زرقتها وتستحيل رماداً والشمس تولد يوماً آخر من يناير الذي لا ينتهي، أنزلنا السائق _أنا وعامر _ معتذرا _ قبل القرية بمسير طويل، وتمتم :
_الطريق من هنا لا يمكن للعربة قطعه يا أستاذ.
أخرج محفظتي.
يمسك الرجل بيدي :
_ الشاب الذي كان يرافقك أعطاني أجري يا أستاذ..
البركة فيكم، والله لولا ظرفي ما قبلتها.
حافظ
!!!!
حافظ الرقيق الحال..
نعم…
حافظ من كان معي قبل ساعات ست.
حافظ من شاركني رعدتي والرجل الذي أتى بعامر للمشفى يسب:
_لعنة الله عليه، الشيخ كان يسير بعيداً عن الطريق تماماً..لكن صاحب الكف الناقص انحرف بدراجته فجأة وصدمه، ثم ولى هارباً.
حافظ دون غيره ممن كانوا حولي يومها، حافظ الشاب الذي يقف على حافة الإسفلت التي تواجهنا، يفصلني عنه طريق وهتافات وعصي،
حافظ، وأنا، وثالثنا كان يناير الأخير…نرفع الجسد الذي أعرف، الجسد الذي لا يعرف، فيضيق يناير مابين حاجبيه، يسعل، ويبصق دما….
وأنا وعامر والمكان..
وفبراير يفتح لي ذراعيه
يظهر صبيان يقودان نعاجاً، يصرخ أحدهم، وصل دكتور عامر، يقترب الصامت ويمد يده فأردعه، يرفع وجه المبتل ويهمس:
_أنا عامر
وابن عمي ذاك أيضاً عامر، نصف قريتنا سميت عليه، أنا متوضئ يا أستاذ، لا تخف، أنا فقط أودعه.
أفلته، يمسح على رأس أبي ويقبله، ينادي عامراً الآخر ويشير شرق المكان ثم يعدو أن كل عكس اتجاه صاحبه.
لا أدري بعد كم من الوقت _ اليوم..
يُستبدل الوقت بالحزن..
المسافة بالذكرى ويناير بفبراير الجديد _
لا أدري حقاً بعد كم من الوقت…
لكنها الوجوه السمر تملأ المكان…
منحنى يناير الأخير نعمة أن أودّع أبي مرتين، منحنى عامر بوجوده دافعاً للحياة وبموته ما يكفي لردم الثقب في صدرى، ثقب ان أبي يرقد في المجهول.
وضربت بمعولي رحم الأرض بقوة، لكنه انفتح طائعاً باسماً أو هكذا خيّل لي.
وتحت الشجرة الجد..
بذرنا عامراً
قرية بأحجية واحدة..
سمعتها بنفس الرواية سبع مرات قبل أن أغادر:
_كان عامر إذا أنهى فرض العشاء، يحتقب وجوه أهله، كيس الدمورية حيث أوراقه وييمم وجهه شطر غابة السنط النائمة على خصر المكان…
يعتلي كتف الشجرة الجد، يعلق مصباح الزيت وإبريق الوضوء ويشرع في إطعام الحلم بالورق…
ترميه بيوت الطين بتمرها…
حليبها…
قمحها وحلمها ويفعلها الصبي _ يومها _
الرجال بعد صلاة الفجر يعلوو وجههم المتعبة بريق، يجتمعون..
يرتبون لعامر، كان أخطر قرار يواجه القرية وأكبر من أي شيء مر بها.
القرية كلها كانت على جانبي حائط المسجد الخارجي، الرجال والصبية في باحة المسجد، والنساء وأطفالهن على جانب الحائط الآخر وسط الطريق…
وعامر بين يدي الشيخ ينصت باحترام.
حاج أحمد كان أول المغادرين :
_خسارة تمري فيك آ ود موحمد أنا الراجيك بعيني البايظة، جاي تعملا قراية بهايم، دكتور بهايم !!!!
يا بلد ما فيك زولاً عاقل
..
هناك على بوابات الجامعة، وبالحلم المشترك نفسه، وبالقروية المعلمة على اللسان، والخطو، والخلق،
التقى عامر أبي…
أكاد أسمعهما..الرجلان (دكاترة البهايم ) أبي.. وأبي يقولان بحب كبير:
_هنا حيث البلاد السمراء تشبهنا تماماً، نحب أبقارنا وخرافنا كأطفالنا…
نطلق عليهم أسماءً، ندللها يا منتصر…
وفبراير يملأ دفئه الأرض.. أقف على جانب الإسفلت الذي يشبهني، بقلب صحيح أقطع المسافة بين حسين وحافظ.
بين أبى وإبراهيم
بين منتصر ومنتصر…
أبتسم لحافظ…
يدفعني بكتفه…
نتشارك التقطيبة نفسها التي تلت الابتسام…
_تُرى لو قدر لنا أن ننجح…
هل سنظل على جانب الإسفلت ذاته؟
أم سنعبر الطريق؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق