الجمعة، 9 يناير، 2015

أحمد مبارك

تجلِّي ضوء.. تبخُّر جسد


احمد مبارك


“إلى التي أمي؛ جدتي القديسة: رَكـِــــــــيَا”
خوف مبهم يعتريك، تحدق بوجود يسير تلقاء حتفه، نداء غامض ينبعث من هنالك.. ثمة بوابة هائلة. مهرولاً، تقف عندها، يداك معلقتان على عارضتها، ذهول يغمرك ودوار، إذ تنظر عدماً لا نهائياً يتلوَّى.
قطيع بشري يسوسه ضوء: جنود بجلود رثة، ملوك حفاة، و…
يعبرون العدم، ثم حذاء جبل أسود. يقفون.. خلعوا أقمصة من قشور زائفة، تنحت لا وعيك على مشهد كهذا رأيت..
تجلس على شاطئ النهر، تراه هو الآخر قد آل إلى خيط دقيق، تسحب شبكة مكتظة بأسماك مذهولة. دهشتها بمأزقها الوجودي تدعوك لأن تعيدها إلى الماء، تتأمل ذلك ملياً: لعل الأمر ذاته يتجدد، أعني ثمة خيط متين لا مرئي، يسحب الأشياء بذات الطريقة إلى البر، بعد أن أتخمت بالطعم. وفي ما يشبه الهزيمة تنفلت حبال الماء من قبضتها.
نذر ريح كونية تلوح في الأفق، يخال لك أنها تغزو العالم: براحات آنية مضرجة بدماء، عمائر سحت متداعية، قطاطي سحيقة، رواكيب مهتوكة، قاذورات، حانات سرية عامرة برجال دين ووعاظ نهاريين، كل من هبَّ ودبَّ؛ تلك الريح سوف تكنسه إلى عراء بشع.
***
تتطلع إلى الأفق، حمرة شفقية تشي بدنو موعد “الزينة المهبوشة”. تتجه نحو الباب، يأتيك وقع طرقاتها المضطربة، تفتحه متلصصاً – كما يروق لها أن تفعل – ثم مشيعاً الإناء الأثري بنصف ابتسامة.
يسقط إناء الحليب عن يدك؛ لازمة لم تنبس بها الزينة: “كيف أمسيتو؟…”، تربكك سرعة تلاشيها طالما عرفت بالبطء. تكاد أن تفقد صوابك، تصرخ.. تتوزع في شوارع لم تطأها قدم. لغط كثيف يثيره اختفاء الزينة..
(ما سيحير ليس اختفاء الزينة وحده، بل من يأتي جدتي بالحليب، إن كانت الزينة نفسها خيال مآتة محض…؟!).
تجلس أمام جدتك ترقبها تكترع الحليب، تفكر بالهوة تبتلعك حينما يكف هذا الفم الجميل عن اكتراع الحليب: من سواها يمضغ العدم ويدغدغه؟!
شعورك بخواء ووحشة يدعوك للصراخ بهيستريا، تدفن وجهك بين ذراعيها، تبكيك، تخاف تهجسك نحوها.
***
بشدة، تستنشق عبق غرفتها المميز: رائحة الشيخوخة الغامضة تتخللها (الصندلية) و(بت السودان)، يكسو وجهها الصامت بريق مدهش وهالة قدسية، مشمولة بثوب أبيض ناصع، شعرها القطني بالكاد، لمَّت زوجتك فطومة شمله في ضفيرتين. عيناها مغمضتان، فمها يلوك العدم، حبيبات مسبحتها تنزلق بإيقاع ساحر متماهٍ في الصمت (كأنها عوالم عرفانية).
تدخل غرفتك الدائرية، أثاث فخيم يشعرك باقتحام المستقبل: خزانة ملابس من خشب مصقول، (يونِت) مذهب عليه تلفاز ضخم، يجعل كل ما سواه يبدو صغيراً جداً (كما يزعم الإعلان…) إضاءة بمفتاح تحكم: سطوع حاد، خفوت حالم.
تبعثر قصاصات أوراق بحثاً عن اللا شيء. ورقة صفراء عليها توقيعك، تفتحها، تقرأ: “الزمن إحساس مراوغ، فمن خلال دبيبه الخافت ننصت إلى خلايا المادة تنمو؛ ما يشي بتغيرات شرسة تحدث بتجاويفها، تشكلات مفزعة تركل – أثناء تناميها – اللحظة الراهنة بغية الوصول إلى نقطة ما، تبدو مستحيلة، تختبئ بين أغشية الآتي”.
تتساءل.. تفكر.. تبحث عن اللحمة الرهيفة، التي تربط هذا بتمسِّك جدتك باللحظة المركولة..
تزلق نظرك على الرزنامة: أسبوع واحد تبقَّى من أيام عطلتك؛ تعلق: “على الأقل سأستريح من مكابدة اللهث للحصول على مركبة بموقف (جاكسون) العبثي، توسلات طوفان الشحاذين، غلاء المعيشة (عفوا استحالتها): موات طال الحيوات كلها، وجوه متنافرة غارقة في بؤسها، تبحث – متصادمة – عن ذواتها في زحام مذعور. الكل مقتلع من سياقه العاطفي: فصام عارم.
(هذي بلاد، على المرء فقط: أن يعبر مجالها الجوي-إن كان ثمة مجال)!.
***
اعتراضات جدتك تعدَّت إضفاء طابع حداثوي على غرفتها، إلى تلة التراب ذات الثقوب الكثيرة.
عند جلستكما (أنت وفطومة) على التلة، يكون القمر في كامل تجليه وعظمته، تهبُّ نسيمات لطيفة تثير فيك كوامن عدة: تذكر ما كانت تفعله بك نكهة الأنثى المتدخنة..
بيوت كثيرة خلت من ساكنيها، بعضهم لقي شبراً توسده، بعض آخر قبع على رصيف، يحصي خيباته.
فطومة – كهواجسك- تسائلك عن الفناء.
عن مستودعات الخيط الفضي بعد انملاصه من الجسد، هل يتصاعد إلى السماء.
عن مآلات الجسد ذاته، الكتلة الليفية شديدة التعقيد.
تنكمش مرتعدة، تسند رأسها الصغير على كتفك، تشرع أنت في العبث بضفائرها، تقول: “أنا خائفة”.
تحدثها عن هاجس يشغلك – بجانب حادثة الزينة – يكاد أن يستحوذ عليك أثناء تسفارك: أن تعود فلا تجد أحداً، تتصور – عند خفقات قلبك بعنف – مكروهاً سيحل بها، فيصادف أن تكون جالساً على أريكة أحد المقاهي، الأمر يحدث بمباغتة مربكة، كما في المرة السالفة: منغمساً في لحظة ضبابية، طفقت تتشمم الكوب تبحث عن نكهة بعينها، فإذا بالإحساس يداهمك، قناعة ناسفة بشأن جدتك، جعلتك تطوي مسافة بينكما وإلا كنت تجد رئتيْها توقفتا، غير أنك صعقت بضحكتها تخترقك من البعيد.
***
من باب أحد البيوت المهجورة مرق شيء، لا تدري أكان طيفاً، ضوءاً، أم رجلاً انسل ببطء شديد، متسرباً من حائط أصم. تتبعته بشياطين خوفك الثائرة.. عبرت خلفه “حلة القش”، لكن الكائن الذي لم تستبن ماهيته، استدار إليك بثقة وآلية، ثم انمحى.
مرتعشاً، تتصبب عرقاً، حدقك بنظرة غامضة (كانت عيناه تشعان، له لحية بيضاء كثيفة).
وكأنك في دوامة رعب مغلقة؛ إذ أن الكائن – قبل انمحاءته – أثار عاصفة جنونية بجناحيه.
تلتصق ابتسامته بذهنك، تلاحقك، ترتعد، ترتسم، تسقط بشكلها على الأشياء بمطلقها.
تستيقظ مهلوعاً، تصرخ مصطدماً بحوائط، يختنق صوتك، زوجتك وجدتك تدركانك عند مشارف جنون وشيك، تهذي وتخطرف، ينعصف ذهنك، تعصر ذاكرتك حتى تكاد الصور تنبثق، تضع صورتيهما متجاورتين، لا تستطيع أن تحدد: أيهما الكائن؟ من رجل ميثولوجيا الجدة؟.
تتكأ على مسند وثير، تستجمع قوى التذكر، تصيح، تغمض عينك متداعياً. (كانت جدتك تغمض عينيها، تفعل مثلها. أثناء سردها ترى الرجل ذاته ينبثق شيئاً فشيئاً – كأنه جبل الجليد – من ثنايا السرد، تفتح عينيك عند تمام (الحجوة) يتمدد بشكل فنتازي أسفل شجرة الليمون. لم يكن تمثله هلوسة أو سعة مخيلة.
جدتك (وهي عليمة) وصفتك بالمسطول مدثرة إياك بتعاويذ نوم.
***
تلملم حاجيات ومخاوف تلقمها الحقيبة، لا تستطيع تخيلك بلا هواجس؛ بدءاً بفقدان وظيفة، ذلل حصولها لك قريب متنفذ، واصل (كما يقولون). ومن جهة تخشى حدوث المحتوم في غيابك.
تمر بدار أنيقة للمُسِنَّات، يخيل لك أن فطومة جالسة على التلة، تسمع ما يشبه نداءات الجدة، دوائر وأصداء مشروخة تخترق أذنيك، زوجتك انقضَّ عليها الكائن، نملة تتسلق ساق جدتك، و…
…تسقط حقيبتك مقتحماً سرادقاً عظيماً ألوانه صاخبة، وجوه تراها لمرة أولى وأخيرة، ملابسهم بيضاء.
مطر خفيف بلل مساحة أمام بيتكم، دون سواها، أطيار ملونة ترفرف بتغاريد كأنها معزوفة مقدسة، بساط حشائش خريفية، نمت في غير ميقاتها، سحب شتوية ترسم (اسم الجلالة) برسم عثماني في زرقة سماء صافية، عبق ينسرب وهدوء جليل.
بقوى حائرة وذهول، تقدم لك فطومة كوباً من عصير ذي مذاق ونكهة خاصين:
كانت تجلس على التلة تفكر بك، بآخر ما تحدثتما عنه: الخروج بسلاسة من بوابة العالم الخلفية، مآلات كتلة الخلايا وهرمونات الآيروتيكا، بالذات.
معلقة بصرها في عدم، تقول:
“عبر الكائن وبيده مسبحة فضية لوقع حباتها رنين آسر، توجست خيفة، ارتعشت فرائصي.. تبسمت.. حتى بللت سروالي بالخوف.
حيَّاني بوقار وورع، سائراً نحو باب الجدة، يمشي بسرعة فائقة، لمحت ما يشبه إناءً بيده، لكنه اشتعل ضوءاً باهراً ثم اختفى، إثرها بعشر دقائق سمعت صوتاً رطباً وواسعاً؛ هرولت مذعورة، دفعت الباب مستعلمة..
الجدة مستلقية على فراش أبيض، أنفاسها تنساب بأريحية رهيبة، جلست بجانبها أرتعش.
قالت مشيرة نحو شجرة الليمون: “إنه هو.. ألقى عليَّ السلام، دخل يتأبط فراءً أبيض، افترشه، تقف أعواد صغيرة من الصندل، غرسها على الأرض، في شكل مستطيل، تزامن أن أحسست نسيماً رطباً يملأ رئتيَّ، حالما غرس العود الأخير، شاملاً الجسد كله”.
هالة حبور وشيء من حزن، في تلك الليلة، كسيا وجهها النوراني. قالت إنها تكاد تلمسك. تركت لك المسبحة والمصحف وسهم جدك الذي – بالتأكيد – سوف تحتاجه “الدنيا ما مضمونة…”
شبكت أصابعي المتوترة، وضعتها في حجري أرقب – بين حين وآخر – ابتسامتها، تشع، تتسع حيناً، تنحسر؛ ثم إذا بي أستيقظ مذعوراً، أكاد أجن، لم تكن على فراشها، ولا في أي مكان آخر توقعته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق