السبت، 5 سبتمبر، 2009

مصطفى مدثر

رؤى لا تطرف لها عين (1)
مصطفى مدثر

أتاوا 1999
() عندما عرفت كيف أخطو على الجليد وفي جيبي ضمانات ضرورية أوصاني بها رجال الهجرة، حجلت مثل غراب أحوّل على طرقات مزججة حتى تعثرت على أعتاب مكتبة المدينة العامة. وبعد أن علمني باب الدخول بشئ من اللف و الدوران كيف أترك الزمهرير ورائي وأنا أشيد برشاقته الكاملة في استخدام تقنية شبيهة بتقنية الساقية، اذا بي في أجواء صمت وبهرة وانكار كامل لما يدور في الخارج من عصف وضعضعة. سألت نفسي كيف لا يهادن الجليد كل هذا البهاء ودفء المعرفة يوسع لنفسه، هكذا، مكانا ينفي عنه البرودة والبياض!
() قدرت أن أرسل بصري المنخلع في كل أحداب المكان. أبهية فخيمة وأقبية عليمة! مصاعد مجبولة على رقة الحلول حتى لا يصح وصف استخدامها بالركوب! فأنت حينا واقف على مستوى الصحائف و حينا آخر عيناك ترفان لعناوين أثيرة في الروايات اللطائف! أمشاج من المسموع و المقروء و....المحسوس!!
() صاعد بين نظم الترقيم وإحالاتها أومأت بالتحية لمحفوظ و مينا و صالح و للافارقة الافذاذ.... يا سنغور!، ليباغتني محمود محمد مدني و هو يدق
بطوربيده (2) أوتاد حكاية سحرية في فضاء أم درمان، يقول ما قاله الخليل قبله: أن أم درمان هي جغرافيا الروح! وليتني ما تمليت عندهما فكرة الروح في الجغرافيا و لا نزلت من علايل أبروف أوذكرت مقرن النيلين فلقد ترنحت و أنا أطوّف بصري على الوجوه التي أكسبتها غربتها عني أمنة من فردية سميكة عصية على من يهتبل المقاربات مثلي فحرت كيف و أنّى لي أن أجلو لنفسي صورة لمدينتي الجديدة و أم درمان قد أخذت مكانها هنا وفي متن البهاء؟
() ترنحت على الممرات الكثيفة و بي شئ من رهب يدق على أبواب قلبي.
كان الادعى لترنحي دون شك هو أنني وجدت ما هو خاطر على بالي! لم يكن لالتماع الجديد أو نصاعة البهاء دخل بما حدث، ومن ثم سقطت!!
لبرهة خيل لي أنني استمتعت بمرأى جسدي مطروحا على أرض البهو الكبير الذي كنت أتخبط محاولا اجتياز فكرة ما عربدت فوق أديمه. كنت مثلي مثل تلك المراجع الضخمة التي يسقط بها رواد المكتبة أو هم يطرحونها أرضا على ظن التمكن من محتوياتها. كنت مثل نص صرعه التأويل يحوم حوله صوت صافرة الاسعاف المكتوم، القادم عبر الزجاج السميك، المشرئبة خلفه وعود الصقيع.
() قال الطبيب: يحدث، يحدث. نرى عشرات القادمين الجدد أمثالك. الجدير أن الاعراض التي يصفونها لا تنطبق على ما هو موثق، في معظم الحالات!
سألت نفسي أية حالات؟ وإمتثلت لرصد طبي رائع وبلغة سلسة وفي لحظة وقعت عينه على عيني فخطر ببالي ولأول مرة منذ نقلي اليه في سيارة الاسعاف أن هذا الحديث، في حياديته المريحة، ليس حديث طبيب الى مريض والطبيب نفسه أحس بنفس الشئ، فيما يبدو، لكنه استطاع أن يزيد من نسبة اللون الرمادي في شواطئ عينيه الدقيقة مما يساعده في التحرك في اطار الاعراض بالصرامة المطلوبة من طبيب فقال ان ما حدث لي سببه اختلال في كيمياء دمي! اندهشت نوعا فكندا، في هذا، لم تختلف عن مصر لأن الطبيب المصري كان قد قال ان عندي شوية أملاح على سبيل تبسيط الحالة.
فسألت هذا محاولا تسوية المسألة بين كندا ومصر:
- يعني عندي أملاح؟ ?Salts
لكن سؤالي رغم سلامته لغة، لم يبدو مساهمة مقدرة مني في الارتقاء بلغة التشخيص لأنهم هنا، لابد، قد تجاوزوا الاملاح إلى مفهوم الكيمياء الأضخم!
فعدت أسأل الطبيب:
- ما العلاج إذن؟
و يبدو أن إذن هذه قد أذنت له بفتح صفحة جديدة في ما كان يدونه فكتب قليلا ثم نظر الي مليا بعينين غاب عنهما ذلك الرمادي ليحل محله أزرق ملغز
و قال لي: عليك بالراحة الكاملة ريثما تكتمل فحوص الدم. خذ الآن....هذا! وسحب منضدة متحركة لها صوت الكتروني يحاكي نوح النساء الخافت في عزاء ميت و بها أصناف من الصحف والمجلات. نظرت اليه مستطلعا فانتفضت الممرضة التي انضمت الينا على أثر النوح الالكتروني وجذبت بخفة احدى المجلات مفتوحة على صفحة داخلية ومدتها لي. ثم إنتبهت لذلك وقبل أن تعدلها بحيث أراها من غلافها لمحت شيئا فصرخت كالملدوغ: انتظري!
تدخل الطبيب، وهو يقوم من مجلسه، قائلا في صرامة: استرخ! استرخ يا سيد! ثم خرج وحفيف حذائه يذكرني بالجليد المتربص خلف الابواب الذكية.
() وقفت الممرضة وقفة اكلينيكية حائرة تنتظر ما أريد دون أن تغير صفحة المجلة، فقرأت بصوت مسموع والمجلة بين يديها:
رؤى لا تطرف لها عين! نعي.
ابتسمت الممرضة ابتسامة شفاهية محدودة ثم رددت نصيحة الطبيب الذي وصلني هواء بارد سمح به خروجه.
قلت لها: بلى سأسترخي و لكن ليس بقراءة نعي، أليس كذلك؟
تأسفت برقة فسألتها: من هو على أي حال؟ المتوفى؟ و كان قد أثارني عنوان المقال.
ردت باهتمام مفاجئ وصوت هامس: ستانلي كوبريك. مخرج سنمائي مات قبل أن يعرض فيلمه الاخير "عيون مغلقة لآخرها"(3) صرخت بألم و بالعربية هذه المرة:
- يا خي! ستانلي كوبريك مات؟ ثم أطرقت حزينا ومعتملا بأشياء أخر.
ذهلت الممرضة، لا تطرف لها عين، بينما سقطت جفوني أنا مغلقة علي آخرها وانحلت أعضائي وأنا لا أصدق سهولة ارتدادي الى تلك الحالة المعرّفة با ختلال الكيمياء أو شوية الاملاح، حاليا! وتراءى لي شبح الاغماء. انتابتني حالة نوح كتلك التي أبدتها تلك المنضدة اللعينة فرحت أردد عبارة حافظ
الاثيرة: قال ليك..ستانلي كوبريك!!
() بغتة عادت الحياة الى جسد الممرضة فبدت بتكسرات حركتها داخل ردائها الابيض الضيق كأنها قادرة على أن تهش ذلك الحزن الذي رك عليّ وتدفعه عبر ذلك الباب الذي خرج منه الطبيب قائلة له: أخرج، هكذا يا حزن فنحن في كندا!
ولكن لا! حزني لم يكن عميقا فحسب، بل كان ذا مناخ استدعائي يجعلني أسأل أطياف الذاكرة هل علم حافظ بموت صاحبه هذا؟ أم عليّ أن أتصل به أول ما أغادر وعكة الكيمياء المزعومة هذه؟ يجعلني أسأل عن مشهد أو آخر، هل هو كما هو أم أنا لست كذلك؟
تحوّل حزني الى إعتمال سيربك مقاصد هذا الفريق الطبي وربما سيحدث تحوّلا جذريا في مسار علاجهم لي.
() وتماما كما توقعت!
دخل الطبيب، بعد أن استدعته الممرضة هامسة همسا لا علاقة له بفكرة النجدة والنفيرعبر رقائق شفافة. دخل و أرسل لها نظرات ذبذبية قصيرة كدت أسمع لها صليلا، ثم تحدثا برطانة أعجزتني وأوردا اسم المخرج غير مرة لكنه أفصح في قوله باستحالة تفاعلي مع ما قرأت في تلك المجلة والتفت يسألني و قد غيّر لون عينيه مرة أخرى: هل أنت حزين؟
ولم أشأ أن أنكر لا سيما وجسدي صار مدلوقا على الكرسي الوثير بفعل الحالة التي أحدثها خبر الوفاة والجهاد الخاسر الذي تكبدته النفس في استدعاء أصداء ذلك الخبر على نفوس ومشاهد بعيدة يصعب التأكد من وجودها، هنا والآن!
عاد الطبيب يسألني: لماذا أنت حزين؟ هل تعرف هذا الرجل؟ وأشار الى صورة المخرج!
كانت المجلة قد أحتلت موقعا مرموقا فوق المنضدة اياها فادركت إن هذا الاّ تصعيد من الممرضة لن تحس غرابته الاّ اذا قدر لها أن تعرف كيف أنظرأنا لمسألة موت المخرج. أضاف كل هذا غموضا أثيرا للامر ولاول مرة قام السؤال: هل كنت أريد لاحتفالية الصدمة الثقافية أن تقطع شوطا كهذا؟ أم أن وفاة المخرج أمر هام فعلا؟ دعني أفحص الوقائع!
() أذهلتني مكتبة المدينة فعلا. و لكن الدوار أتاني من ناحية حضور أم درمان في قلبها بعد أن ظننت أنه خبا، فسقطت مغشيا على أشواقي. ثم مات ذلك المخرج و هذا أمر سأتهكم من أي محاولة سيقوم بها الطبيب لسبر أغواره. لكن الطبيب، كمان، لن يقبل أي حكاية من شأنها أن تقلل من أهمية الصدمة الثقافية التي قرر أن يؤسس عليها علاجه لحالتي منذ عودته الاخيرة، العاصفة، الى الغرفة وكنت قد لاحظت، في ما مضى من حوارنا، أنه يلتف على هذه الفرضية بالحديث عن الخلل الكيميائي وما إليه مما اربك لون عينيه، ولذلك، وياللدهشة، فلقد توصلت أنا المريض لما سيفعله الطبيب!
فسألته: لماذا إذن تعطيني حقنة مهدئة؟ لماذا التغييب؟
لاح في تلك الشواطئ الزرقاء المرمدة من عينيه لائح استنكار وخرجت من فيه كلمات كأنها صممت لتدخل أنفه، فقال: هذا ما تحتاجه الآن!
ثم شرع في اجرإت خبرتها قبل الآن و ما كنت لأقاوم. لا شكة الابرة ولا ذلك الدفق الوريدي الصاعد، فلقد تكورت عندي حاجة مسيسة لاطفاء مماحكات هذا الواقع التعيس!
كان لابد أن..
.... أفسح مهابط الذاكرة
لأزيز
يقترب...
ويقترب.....
.ويق ترب!
فافتح لي يا زمان!
"السهام الشالت أزيزها معاها
لحقتها صاقعات من لحون ضاريات
وشوف كمان القعقعات
وأسمع الصليل
وأرتال من حشرجات مبهمات!"


مفعول المهدئ يقوى على برد السراديب

(2)
مفعول المهدئ
يفتح كوة على
أم درمان
في ستينيات قرن فات!
ندإت الضحايا،
ارتطام الدفوف،
ثم!
ها هي ذي
أبواق تعزز خطو المنايا،
و المنايا قادمات.
() الوغى يعبر بيتنا!
يعبرنا، عبر ثقوب في الكرتونة المثبتة على النافذة، لم تفلح أعقاب السجائر التي حشرتها أمي أن تمنع عبوره الهادر. كانت تعالج الامر علاجها البائس
ذاك ثم تركض للدفء تحت بطانيتها الشائلة من رائحة دخان الطلح القوية. وفي لحظات، وكالقدر الاكيد، كانت الموسيقى تترك موضوعها لتعزف الاجزاء الاكثر زعيقا هنا في وسط غرفتنا الكابية ثم تنقشع مثل زخة مطر أهوج فوق اناء صدئ.
وكانت أمي تبحلق في الظلام كأنها تنتظر- مثلي- مشهدا بعينه سيشرق على عرش حجرتنا ثم لا تلبث أن تدرك سيجارتها قبل أن يسقط رمادها الذي تطاول وانثنى عائدا في ناره البرتقالية.
أمد يدي في الظلام لألمسها بعد طول تردد، فتستجيب! لم يحدث أن اعترضت ولا حتى في اليوم الأول. لكنها قالت لي يوما بالنهار ان لا أفعل ذلك مع غيرها ولذا كنت آخذها فيذهب بي دخانها الى مشهد جديد.
() لم يكن هنالك ما هو أحب الىّ من الهروع الى البيت واستعادة مشاهد الأفلام التي أراها في دار السينما القريبة. كانت الموسيقى من دار السينما تمتطي رياح الشتاء بحثا عن نظائرها البصرية في ذاكرتي فأستعيد الفيلم على خيوط بطانيتي النافرة. وكانت متعة هذه الهواية الشتوية تتعاظم باضطراد عدد مرات مشاهدتي الحقيقية للفيلم حيث يستدعي الصوت صورته، التي عمل له، من ذاكرتي أنا! لقد شاهدت فيلم العظماء السبعة فعليا أكثر من خمس مرات
وفي البيت، على طريقتي، أكثر من مرة لم أقبل فيها أي تشويش. فقط كنت ألحق باقي السيجارة قبل أن تشفطه أمي وأهرب من أسئلتها الواهنة. كنت أراه ضربا من المشاهدة المجانية الممتعة بينما رآه صديقي استمناءا بصريا! فأفزعني التعبير وما كنت، بعد، بلغت "ذلك" الحلم!
() - قال ليك.. استانلي كوبريك!
قال لي وهو يتطلع في الوجوه باحثا عن أصحابه في الزحام.
لم أفهم ما قاله فسألته: تعني كيرك دوجلاس، الممثل؟ أم من هذا الذي ذكرته؟
قال ونظره لما يزل يتنقل بعيدا عني مما أتاح لي فرصة التأكد من أنه – جادا- يلقي عليّ معلومة جديدة
- كوبريك المخرج!
سألته: كيف عرفت؟ فبدا كأنني أتشكك في معرفته وألقى هو اجابته على عجل ملحقا لها بقراره المفاجئ:
- في آخر الفيلم يكتبون اسماءهم. أسمع، ارجع أنت البيت. سندخل الدور الثاني. يللا!
أندهش قليلا لعدم مناكفتي له في هذا القرار لكنني حقيقة فضلت الرجوع الى البيت وسريعا. فأولا هو قد كذب عليّ لانهم لن يدخلوا الدور الثاني بل سيذهبون للسهر في الجنينة حول أحاديث معقدة وكنت أنا حاضرا طرفا من حديثه لصديقه، ولم يكن حديثهما مشفّرا الاّ قليلا بعبارات يأخذونها من الكتب الشائكة. ثانيا حيرني أنه أضاف اسما جديدا مرتبطا بالفيلم الذي يعرض حاليا وباعزاز واضح له ولمن أسماه محرر العبيد، سبارتاكوس.
() فكرت وأنا أتحاشى الأزقة المظلمة، رغم أنها الأقصر، وفكرت وأنا أغتبط لأنوار السيارات التي تنير طريقي بين حين وآخر من أين عرف اسم المخرج ومن قال إنه مخرج عظيم؟ انه يقول " قال ليك..." عبارة يقصد بها التفخيم.
كانت لهفتي لبلوغ عتبة البيت تقلع بي من خوف غريب ومفاجئ الى فرح، الى وثبة ناقصة، الى احتباس وشيك لانفاسي ثم الى هروب جبان عبر دهليز موحش طويل يقذف بي الى حضن البيت وأمانه.
والآن وقد ألصقت سريري بسريرها وانسحبت داخل بطانيتي، أستطيع أن أقلب الامر على أوجهه. أن أكشف الاسرار.
() - تعشيت؟
جاءني صوتها واهنا وكنت أظنها نامت، فقررت أن أسمعها تنفسا منتظما كي تعفيني من الحديث، وسؤالها في مثل هذه الحالة، لو تجاهلته لدقائق لأعقبه شخير مكدود يفتح أمامي تلك الخلوة التي أنشدها. الخلوة المحضورة بالرؤى. لكن فيلم هذه الليلة أثار فيّ تساؤلات مربرة وانتقل بي من كونه فيلم الى ذلك الشريط البني اللامع ذي الثقوب في جنبيه الذي كنا نحس بفداحة أن تجرفه الرياح عبر ميدان الخليفة فنركض وراءه متسائلين أي فيلم يكون فيه؟ أي ممثل؟ فينتهرنا مدرس الجمباظ واقفا بالشورت والنظارة السوداء: بس خلاص يا شطار!
أوغلت أمي في نومها و أصوات "اسبارتاكوس" من طعان وصليل وقعقعات تترى دون أن يخرج لملاقاتها معادل بصري من سراديب ذاكرتي وإن خرج، فثمة شخص ليس من الفيلم في شئ، أقول، شخص في ثياب أفرنجية يتجول تحت السيوف غير آبه لصليلها!
وجدتني اتقلب هكذا لا أدري أي صفحة يأتيني فيها النوم، تتفلت مني الرؤى نحو زوايا غامضة لكنها ناضحة بمعان جديدة مستغلقة.
() وخفتت الاصوات، بعثرها اشتداد الريح. أدركت من همهمات نائية ونداءات غائرة متداخلة أن حشد المشاهدين قد غادر دار العرض. لكنه لن يعود، بل هو مع اصدقائه القادمين من دور عرض أخرى، من العرضة، بانت وحي البوستة في برنامج أعرف بعض أسراره من بعيد، مسرحه تلك النجائل المسوّرة بنبات التمر هندي المشذّب بعناية من قبل البلدية وكانت هذه النجائل تفصل شطرى شارع العرضة وتشكّل منتزها غريب الوجه والتكوين.
هنالك كانوا يتبادلون الآراء والكتب أو خلاصتها وأغلبهم اذا عرفوا موضوع الكتاب شفاهةّ تحدثوا عنه حديث العارف المتمحص. هذه الكتب لم تكن في نظري الآ مصدر قلق وتوترات فهي إما ثمار محرمة أو هي نادرة ومتنازع على ملكيتها، يأتي الناس للسؤال عليها كسؤالهم عن طفل تائه ورغم كل هذا، فالواحد من هذه الكتب تراه قابعا على التربيزة فتحس له هيبة، بغض النظر عن حجم الفائدة التي يمكن أن تجنيها اذا أنت تجشمت فك رموزه، و المعرفة بهذه الكتب المتحركة عبر نجائل وحدائق أم درمان وحواريها بعد العاشرة مساء، تضعك في مرتبة متميّزة أوهكذا قالوا ولكن حافظ لم ير أميّز من مرتبة سربره فكان يضع الكتب تحتها، كلما سحبتها أمي، ظنا، أن مكانها الأرفف مع كتب والدي الصفراء، أسرع هو يعيدها تحت مرتبته مجنبا لنا كارثة أصطفاف التفاسير والسيّر النبوية مع أعمال ماركس وسارتر! وحالة حشر الكتب هذه كانت، أصلا، عند والدي، يجعل بها الأوراد أقرب ما تكون اليه، تحت المرتبة، حتى تداخل لون صفحاتها الصفر مع مكونات نسيج مرتبته المبتلة بفضل هوايته في بخ الماء على جسمه!
() خاطرآخر، يتعلق بقصة الكتب، أشرق علىّ فأرسل جفنيّ ينفتحان على سعتيهما. أزحت عني غطائي محاذرا ألاّ يحيد عنقريبي عن "كوز" وضع
تحت رجله لقصر فيها. وتحسست طريقي خارجا من الغرفة.
كانت ليلة داجية خرجت لها النجمات كلها ودنا بعضها يسمعنني لغطا، لكن انفلات ذلك المذنب من خلفها جعلني أركض فزعا لادخل الغرفة الأخرى محتبس النفاس!
وكان سريره في تلك الغرفة، التي أغاظني إتخاذه لها غرفة له بعد أن كانت مهملة، عنقريبا(3) ذو أرجل سمينة ملفوفة ومطلية بالجملكة عليه مرتبة قديمة، ثقيلة الوزن، عليها خرائط من ماء لكونه يتلكأ في إدخالها من الحوش في الليالي المطيرة، مستمتعا بأحدى هواياته: معاقرة الرذاذ!
الخاطر الذي هلّ عليّ وأرسلني، كمن يمشي في نومه، كان يقوم على فرضية أن الحل لأي معضلة يكون دائما هناك وما على المرء الاّ أن يقوم يشوف حكايته! وأسرار هذا التحول الواضح في كلامه واهتماماته، أسرار هذه المعرفة اليقينية عن ثورية سبارتكوس وثورية المخرج الذي أختار أن يمجده، لابد أنها ترقد هنا، تحت هذه المرتبة، وفي كتاب ما.
() وقفت فوق المرتبة أستجمع قواي وأصرف عن ذهني المخاوف بأن شيئا آخر ينتظرني تحت المرتبة من قبيل الثعابين والعقارب. أمني نفسي بمرأي كتب في طبعات بيروتيه على ورق حائل اللون، خشن وبأغلفة مصقولة ملوّنه، لها نفس تلك الرائحة الأثيرة التي كنت أشمها من كتب والدي الصفراء.
لدهشتي، لم يكن تحت المرتبة أي كتب! لكأنها إنقلبت ثعابين وأسرعت تختبئ في أركان الغرفة. كانت هنالك قصاصات بها أسماء وعناوين وهذه الورقة
المنزوعة من مجلة وعليها قائمة باسماء ممثلين ومخرجين أمريكيين يقدمهم السطر الأول من الورقة على أنهم يساريين. لم يكن من بينهم، قال ليك، ستانلي كوبريك!! لماذا هو ليس بينهم وأين ذهبت الكتب؟
عدت الى مرقدي أدخر أسئلتي ليوم جديد .
(3)
أتاوا 1999
أيقظتني الممرضة بتحية الصباح وقالت: يمكنك الذهاب ا
وكانت هي معي!
ولم يك هنالك جليد على الطرقات!
لم أمكث بالمستشفى حتى الربيع، طبعا، كلها ساعات حدث فيها انسحاب الجليد وما أدراني؟
لعلها طبيعة الأشياء هنا!
وكانت هي واجمة، تسألني وقد بدا لها أني بخير: هل أنت بخير؟ هنالك خبر هام!
وطبعا كنت بخير. كانت هناك نشوة انقشاع الجليد واندحار ذ لك الطبيب الذي لم ير ما رأيت و لاسمع الاّ ما لم أسمع فأخلى سبيلي تقديرأ منه لبلاء حسن أبليته في موضوعة الصدمة الثقافية وعكسها. أما نتائج فحص كيمياء دمي فقد اتفقنا أنّ له أن يقرأها على ضوء أي علم آخر عدا الطب!
قلت لها معتقدا أنني أنقل لها أهم ما حدث: طبعا بخير. ولكن هل تعرفين؟ لقد مات شخص مهم!
توقفت هي كأنما لتخفي نحيبا أنكرته دواخلي.
قلت لها: مات شخص مهم جدا والله!
سألتني وقد طغت الدهشة على إرتعاشها: من؟
لوهلة تبينت وهم انقشاع الجليد فأسرعت أستدفئ بالقول: واحد صاحب حافظ أخي، مخرج سنمائي! لابد أن أكتب لحافظ!
قاطعتني:
- تعيش انت!
تجاوزت عبارتها لمدالق دمعها فاذا بها أخاديد تلوى عبرها رجع سؤالي:
- حافظ؟
أومأت لدمعها. تصدعت، وإنداح منها سائل الاحزان.
قلت: يا الهي... متى حدث هذا؟
قالت: اتصلوا ليلة الامس... .
حط نظري فوق صندوق بريد منتصب يقاوم هامه الجليد. تذكرت أنني طلبت من الممرضة أن تعطينى نسخة من مقال التأبين ذاك و لكنني نسيت أن آخذها. عدت أسألها والنفس تدرأ عن نفسها وطأ الفراق:
- هل أنت متأكدة؟ حافظ؟ لقد كان معي ليلة الامس؟.
بكيت وأنا أحكي لها ليلة معراجه تلك ويزداد إحساسي بما حولي من عصف وضعضعة.
كان الجليد باهرا
وكنت أنت حاضرا
وكانت الرؤى كذلك
وليس بعد الآن ما أبثه اليك،
ليس بعد الآن،
سدت المسالك!
حتى الردى سبقتني اليه، تعرفه
وإن يقال عنك هالك. (5)

كتبت في أتاوا 1999ـ2003

حاشية:
(1) العنوان إقتباس وترجمة لعنوان مقال بالانجليزية (Unblinking Visions) في تأبين المخرج السينمائي ستانلي كوبريك.
(2) إشارة إلى رواية "جابر الطوربيد" لمحمود محمد مدني.
(3) Eyes Wide Shut آخر أفلام المخرج المشار إليه أعلاه
(4) سرير.
(5) أبيات كتبتها في نعي شقيقي حافظ مدثر.







































كوب شعيــــــر
مصطفى مدثر

لا بأس عليك البتة أمام المرآة، والوالدة تغدو وتروح وهي تردد برتابة الصباح: يا ولدي الماسورة! يا ولدي الماسورة! الماسورة في هذه اللحظة كأنها شعيرة دموية في نسيج مجهول. لا أثر لها عليك إذ أنت، لا بأس عليك، شابٌ يتهندم ويدور حول نفسه دون أن يعرف بالضبط النقطة التي دار من أجلها ثم يرش من قارورة العطر الفارغة تحت إبطيه!
تفعل هذا كلما خرجت بحثاً عن أفكار.
نعم إقترب قليلاً من المرآة وقلها بلا مواربة: أبحث عن وحي!
أدمنت صيد الوحي يا صاح فأنت تبحث عن أفكار لا معادل لها في كلام الناس وفي هذا أنت لا كاتب سيناريو، لا صحفي، لا .. لست كسائر الذين يكتبون أو يفعلون بأفكارهم الأفاعيل. تبحث عن أفكار لم ولن يتم تسويقها.
تقف أمام المرآة كأنك على وشك اللحاق بحفل ما أحداثه بدأت تدور. وغالباً ما لا يكون الأمر كذلك فأنت غير مكترثٍ لدوران الأحداث أو عدمه. فحفل متخيل هو في عظمة حفل حقيقي إن لم يتفوق عليه فتفحص قميصك البيجي حائل اللون بحثاً عن بقعٍ جديدة.
ولا بأس كذلك بهن!
ثلاث شعرات بيض على فودك وللزمن أغراضه الصغيرة!
عندما تخرج، بعد برهةٍ، إرخ قليلاًً ذلك الحبل الذي يلجم صيد الأمس من أفكار. دعها تركض كالحملان. بس تأكد أن سياج مخزونك اللغوي مغلق بإحكام فللغة ذئابها.

***
ها أنت تنسرب عبر طرقات المدينة التي لوعها الصيف. البشر في مثل هذه الساعة من الظهيرة يود واحدهم لو يلتقط ظله الساقط تحت قدميه تمرغه الأبواق والضجيج. الساعات تتكتك للأمل في تنفس الصعداء عند أنسام المساء. وبعض البلل قد يفيد! فهاهم الناس يشدون خراطيم المياه ليرشوا واجهات المحلات التي تهدلت داخلها أجساد النساء بأشواق مبهمة.
خذ النساء أو الباعة المعروقين أو خذهم معاً على محمل بحثك عن أفكار.
هذا البائع لا علاقة لنظرة عينيه الغائمتين برحلة المقص إلى أعلى حيث يكتمل إنفصال قطعة القماش التي طلبتها هذه المرأة. غيوم عينيه لا يفسرها هذا الحر وحده، فهناك دائماً باعة مسكونين برغباتٍ مستحيلة وهناك أيضاً نساءٌ يتمددن على هامشٍ وثيرٍ توفره ريادة الأسواق ويفصحن عن لغةٍ بكماء تنتصب لها حروف الدلال. نساءٌ بعيونٍ غائمةٍ أيضاً. فخذ أنت ما يوحى إليك ولا تكترث للغو!
إدلف داخل هذا الدكان واستمع لما يدور بين أُنثى بديعةٍ وبائعٍ مصاب بعضال التمني:
- ضعي منه كل مساء.
- في أي لحظة بالضبط؟
- قبل أن تنامي (غلقي الأبواب وقولي هيت لك)
- أخاف!
- لا تخافي ( لن يرانا، أقصد، لن يراك أحد)
- أخاف أنسى أن أضعه (فخاطري يتوه في لحمة الرجال، زحمة الرجال بحثاً عنه. أحتك في ركضي بأجسادٍ تمور).
عفارم عليك! فما بين الأقواس إنما هو أنت تتفادى تلصص اللغة وحياً.
إنسرب الآن فالبائع يشير للافتة لا توجد وظائف شاغرة من باب الإستعاذة منك.
أعرف أن المظنون عندك أن لا تشتري هذه الانثى ما عرضه عليها البائع لكنني أسمع صوت الآلة الحاسبة يسجل إنتصاره على نسيانها المزعوم. إنه حتى لم يتوقف عند شامة صغيرة بين عينيها ليرى إن كانت "نساية" حقاً بل إنتقل الى جيبها مؤثراً أن يبطل نزوته الصغيرة، أن يظل أسير سياقٍ لغوي أجوف ومكتمل، كما يحلو لك أن تقول.
إنسرب بينهما شفيفاً كطيفٍ ألمعي وأخرج من حيث خرج ذلك الكلب الذي اقتحم الدكان هرباً من حر الطريق فإشتركت في زجره كل أصوات النهار. تخرج وراء الكلب فيظن السابلة أنك أنت الذي طرده من المحل لكن الكلب الذي لا يهابك يقع في المياه التي دلقها الرجال، قريباً منك بما يكفي لكي تكتشف أن نظرته إليك محرجةً لك بشكل ما.
***
الرجال لا يدركون أن إسرافهم في إهراق الماء يرّقّم إسرافهم في تمعن المارة واللغو في خلجاتهم فكأن خجل النساء العابرات الذي هو السبب، بالمناسبة، في إلتفاف أجسادهن، منشأهُ الرجم بالأفكار الذي يتعرضن له:
أحدهم: هل رأيت هذي؟
الآخر يتابع أردافها دون أن يرد.
أحدهم: لقد عملت فيّ عملية. أرأيت مشيتها؟
الآخر كأنه يخاطب المرأة نفسها: أعرفها جيداً!
وبعيد إبتعادهما عنها، يباشران تحسساً غريباً في ذلك الموضع كأنها حمى الدريس أصابتهما بغتةً.
- لكنك مواجه بمشكلة فعملية صيد الأفكار هذه تتطلب تسجيلاً لوقائع.
- لا علاقة لي بالوقائع!
- كيف تسجل الأفكار التي تزعم أنها مبرَّأةً من مفردات الحديث!
- قد ينفعني جهاز يمكن حمله في الجيب أو لبسه في المعصم. جهاز يتعرف على الفكرة في إهابها الكيميائي ويفك شفرتها. هنالك شواهد على بشر مثلي تعاملوا مع أفكار خارج جميع سياقات اللغة.
- الأنبياء مثلأ؟
- .....
- عموماً لا تقلق فالبشرية تحرز من أجلك تقدماً سريعاً وفي كل المجالات؟
***
لا تقلق وواصل توهانك في الأزقة والحواري وأدلف إلى الأنادي حيث هناك فرصة عظيمة للإلتقاء بأفكار لا تنكر اللغة التي تخرج فيها فحسب بل تهتكها وتمزقها إرباً.
إجلس إليها تلك المرأة مفرطة البدانة، الجاز بت عبد الماجد. تسل من ثنايا تابعةٍ لفخذها زجاجات العرق أو تلقي بعقب سيجارتها لمخمورٍ ألح عليها. هي إما مشعلةٌ سيجارة أو قاذفةٌ لها بعيداً وفي أي إتجاه.
- هوي يا الجاز! يوماً ما ستحرقين حفيدك النائم جنبك. ألا ترينه؟
فيعلق أحدهم وهو يكابد لذعة الكأس الذي شربه:
- الجاز وشمس الصيف! الجاز كمان بيولع سجاير يا إخوانا؟
الزجاجات التي تبيعها الجاز قيل إنها أصلاً تتوغل في ثناياها فارغةً ليتكثف داخلها شيئٌ من الجاز نفسها.
- سمٌ هاري! كما يصفه شاربوه في مفارقةٍ طريفة.
والجاز تجيب على كل الاسئلة بالصمت. لا أذكر سؤالاً واحداً وجد إجابةً عندها! فهي إن هزت رأسها إيجاباً بصقت على الفور وبدا عليها إعياء كأنه دنو الأجل. الجاز تصمت لأن الكلام يقوم بهتكه الرواد أو ربما هي مثلك تتصيد الأفكارأو ترصد النوايا. وفي مسألة النوايا فهي مثل صائد "جداد الوادي" في حكاية ما، ألقى بالنبلة جانباً وأخذ يلتقط بيديه ما شاء من الدجاج. فالنوايا وافرة ومبذولة.
أما تكشيرات وإيماءات الجاز الغامضة والتي هي وليدة تربصها بنفسها فيحسبها العابرون من زبائنها موجهة لهم فيخرجون مسرعين تاركين وراءهم إمتعاضهم ضمن المشاعر والنوايا التي تترك عادة في مثل هذه البيوت.
ولا يفوتك أن الجاز، ترصد أيضاً، المداولات المفضية الى نصف زجاجةٍ آخر، وخيبات الأمل والقسمات الضيزى وترعى قطيعاً من الشهوات، خضراوات يكبرن تحت تحرشات عيون السكارى الحمراوات. وتعلم أنك تأتي هنا بنيةٍ ما مختلفة بل تكاد تسألك هل فهمت ما يقصد هذا أو ذاك من الرواد. كأنها نصبتك مراقباً ثانٍ غير معلن لإندايتها لكن هذه الوظيفة غير المعلنة لا تعفيك من سؤالها عن ثمن الكباية:
- يا الجاز يا اخي هي دي آخر كباية ولا شنو؟
تنظر إليك كأنها تنفي عنك صفة المماحكة ثم يبدو لك أنها لم تكن تحادثك أصلاً. تأخذها منك إنتباهةٌ لقادمٍ جديد.
***
حل المساءُ وأنت لايص في النابض من أرجاء المدينة والحر يقذف بجزيئات سائل الجاز الزعاف في منعرجات دماغك. تتحسس جيبك لازال هنالك نصف للساعات القادمة ثم فجأةً ومن زرقة السماء من شقوق الأرض يخرج الرجل الذي وعد والدتك بوظيفةٍ لك. فماذا أنت فاعل؟ أنت لا تصلح الآن لمقابلة مخدم محتمل. إختبئ خلف كوب شعير فأصحاب الأعمال تتعذر عليهم الرؤيا خلال كوب شعير.
***
الشجن وحده هو الذي يدعوك للتماسك حتى لا تسقط من على ذلك السور الذي يفصل النيل عن أطراف المدينة المتطفلة على مشهده. الشجن وربما إنتظار لحظةٍ تالية يضمن فيها القلب خفقاته الصاخبة. سورٌ ماكنٌ وقصير بناه الغزاةُ يغري بالركض فوقهُ في المكان الذي يغفر فيه الأبيض للأزرقِ إقتحامه وتتعالى "الطوابي". ها هي بوابة نادي الفنانين. مكانٌ مناسبٌ لولوج أول المساء. أما كانت بداية السهرة دائماً على شاطئ النيل؟ كان مجيئك الى هذا النادي أمراً غير وارد في تسكعاتك السابقة إلى أن علمت منه، دون أن يقصد هو، أن هناك مكان به أفكار لا علاقةَ لها باللغة. كنت قد سألته: يا خي أنا بفتش على مكان فيه أفكار متحررة من اللغة. وكان قد سألك: هل تكتب القصة؟ هل تقول شعراً؟ وعندما إنبريت له في حديثٍ طويل ليس فيه إجابة على سؤاليه قال لك جرب الموسيقى! وأردف على غير عادته في الكلام: الموسيقى شئٌ مختلف. ما معنى صول لا سي دو؟ معناها فكرة / حالة شعورية.
- فكرة / حالة شعورية؟
- فكرة! .. فكرة بس .. ما في كلام! حالة!
ورغم أنك تخشى أن يكون قد أفرط في الشرب مما قد يعني عجزه كعازف من إحراز عدّاد تلك الليلة، إلا أنك تصيح:
- هذا هو المكان!
إبدأ بتأكيد فرادة المكان. هنالك موظف مسئول عن دفتر قيد عقودات الفنانين لكنك تكاد تقطع بأن قلمه يرتبك يومياً من وطء صيحات الكمان. وهنالك خفيرٌ تَحَوّل بفعل قهقهات الأكورديون الى شبحٍ أدمن التمايل على همس اللحون. قدرٌ عالٍ من ذهاب الرتابة وخمرٌ سريٌ ينسرب في المكان. ثم يصرعك حديث خاطفٌ حول مفتاح. تصور مفتاح! أو يأخذك إثنان يشتجران في مذهب الدوزنة. وفوق هذا يمكن أن تندلع موسيقى في أي لحظة فتسقط اللغة أمام مشاعر لا وصف لحيويتها. تسقط فلا يسمع منها أكثر من طنطنات متعاقد شرب مقلباً من فنان!
- لكنه عمل مرهق في النهاية. العزف أعني!
يقول لك هذا ثم يضع الآلة في جرابها ليخرج بدلاً عنها فتيلاً يمده لك. مشكلته أنه لا يدري ما تقصد أنت بالضبط. يسألك: عاوز؟ ثم تجحظ عيناه: شكلك كده كنت عند الجاز الليلة.
وقبل أن تؤكد صحة تخمينه ذلك يسألك متقمصاً ذلك الكائن الآخر جامع العدادات:
- عملت شنو؟
فكأن وتراً مشدوداً إنقطع!
تطرق وتقول: لا شئ! ثم تسأله بغتةً لتخرج من فكرة العداد:
- قلت لي أسرار الغناء تتآلف هنا قبل أن تنطلق الى الحواري؟
فيرخي جفنيه ليسمع صهيل الحافلة تلم العازفين في بطنها لتنطلق خلف عربة المغني والحافلةُ لغةٌ في التواصل.
***
عندما تمكن من ظهر الحائط، انتبه لأن الماسورة التي تسلق عليها ازدادت هسيساً. تذكر الوالدة تغدو وتروح وهي تردد في رتابة الصباح: يا ولدي الماسورة. وقبل أن ينزل من الحائط داخل المنزل سمعها واقفةً في ظلام الحوش تسأله:
- بسم الله! ياولد انت وين من الصباح؟ طالع الحيطة مالك؟
ولكي يخفي "خلعته" إحتمى بعبارته المفضلة:
- كنت افتش!
ضحكت وسألته:
- تفتش شنو؟ انزل تعال.
نزل منزعجاً فهو لا يرضى أن يسخر كائن من كان من مسألة بحثه هذه. غير أن امه كانت في مزاج الفرح فقالت له:
- مبروك!
تطلع إلها متسائلاً. فواصلت قولها:
- الراجل قال لاقاك في السوق واتفق معاك على الوظيفة.
قفز الى ذهنه على الفور كوب الشعير! كانا كوبين إذن أو ربما نخبين. الله يجازيك يا الجاز!
هتف وهو يتقافز مبتعداً عنها كطفل حردان:
- موارك؟ أنا أمسك موارك في مطعم؟ أنت تتمني لي شغل زي ده؟
أجابته بهدوء: نعم ثم أضافت إضافةً مبهمة وصاعقة:
- ح تمسك موارك ملونة لكي نرتاح من حكاية افتش هذه!
سألها وبنود إتفاقه مع الرجل تتصاعد من بين جزيئات سائل الجاز الزعاف:
- ماذا تعنين بموارك ملونة؟
لم ترد عليه لفظاً بل أشرق في عينيها بريق غريب أقوى من الرجاء وأشد ألقاً من الأمل الأكيد.
أحس بأن دأب النهار ورهقه لم يجودا عليه بمثل ما جاد به ذلك البريق من حجج لا حاجة لها بالكلام. فأطرق يجذب خيوط البدايات الجديدة ويتفحصها بعناية ليجد أنها هي الأخرى ملونة، تماماً كالموارك في مطعم ذلك الرجل.



















"حشـــــرات الروح"


مصطفى مدثر
لا أعلم قطعياً كيف تكون الأفكار وما شكلها؟
وكيف تدور كأنها تركب صحناً أو تتقافز كالقردة الماجنة. لكنني أكاد أقطع أنها تجهيزات مادية قلقة ممكن تفكيكها تماماً كلعب الأطفال. وهي على تناهيها تنغز وتشك وتنفلت. تصطدم ببعضها محوّلة ضجيجها إلى ألم وتمتد وتشف ثم . . . ها هي ذي أفكار صغيرة سوداء كالبقع المتناهية النافرة إلى زوايا عين مجهدة. حشرات الروح المحمومة تلك تحوم قرب سقف الغرفة لبرهة. تتفادى فخاخ العناكب بحنكة مدهشة بالهرب عبر شرخٍ في زجاج النافذة الملبد بالندى الصباحي أو بالطيران العكسي الى مهابط مجهولة في دماغي أو بالسقوط عمودياً نحو بؤرة واجفة. ليس هناك ما هو أشد حدةً ومضاءً من فكرة قلقة.
ملقى على سريري منذ ليلة البارحة وساقاي مرفوعتان في وضع مقزز، وددت لو أن لي بخاخاً أُلاحقها به فيرديها تلك الأفكار! لو أنهم إبتدعوا المبيد الفكري "أم هم فعلوا؟" مبيد تنزلق حبيباته فوق سطح الاوهام ثم لا تلبث أن تخترق غلالات التخرص فتمزق نسيجها بحيث لا تقوى المخاوف على إعادة إنتاج حبكاتها الخانقة.
قفزت فجأة من السرير قبل أن تزهق روحي وتيرة التفكير في مكنزمات مخلوقات صباح السبت. كان جلياً أن الافكار القابعة داخل تجويف جمجمتي، ربما بسبب إنحطاط نوعها، هي أشد فتكاً من تلك الحائمة في أديم الغرفة ولذا فالبخاخ وحده لن يجدي كأداة ولا بد من مستحضر يسري في الدم ويتغلغل عبره إلى داخل الجمجمة. مستحضر يتصدى للفكرة منذ تفقيسها وانبثاقها يرقة تقتات من فوضى المعاني فيمنع تشرنقها بفعل الذكريات الصدئة وإرتشافها الشرنوقي لعصارة الامل المؤود فتغدو حشرة كاملة لها أكثر من خاصرة وروح لكنها عقيم مثل منظومة من حروف الجر.
سألتني مرةً هل يأتي يوم لا يكون فيه للأفكار معنى؟ كالعقارب المقطوعة الأذناب أو كالفلفل المنزوعة منه عصارة اللسع؟ رددت عليها: حتى لو أتى فهي ستظل أفكار وعلينا نحن أن نبحث لها عن معنى فالافكار لا تنهار وإنما العقارب والفلافل.
كنت موقناً نوعاً مما أقول وكانت عندما تسمعني أتحدث عن المعنى يتورد وجهها كأنها تتوقع مني إفضاءاً جديداً وحاسماً لكنني عجزت أن أقول لها هيا بنا! فحشرات الروح تلك لم تكن تتعاطى اليأس والتردد إنما تركتهما لي.
دفعت باب الحمام وأنا أرخي أُذني لأسمع جرساً بعيداً. كان المنظر لا بأس به. قليل من الصراصير المغلوبة على أمرها بفعل المبيد تتلوى على ظهورها. كنت منذ صغري أقول إن الصراصير تموت على ظهورها واتخذت ذلك مثلاً لم أعرف فيم أضربه إلاّ بعد أن تأكد لي أن الشئ الطبيعي يحدث لمجرد أنه شئ طبيعي وهذا التأكد بدوره لم يأتِ إلا في سياق القبول بالوقائع إذ أنني قبل الإذعان الذي لم يطلبه مني أحد كنت أُجادل أصدقائي أن هذا المثل الذي سككته لا يقل سداداً عن ذلك الذي يتحدث عن الطيور التي على أشكالها تقع أو على نفسها جنت براقش ولكن ببساطة لم يفكر أحد في هذا الامر. فأن تكون مضرب مثل هو ما يريده الناس وليس أن تكون ضارب أمثال.
كانت علبة المبيد الحشري قابعة تحت حوض غسيل الوجه المهترئ. تأملت تصميمها لأعرف كيف سيكون مختلفاً فيما لو كان الغرض منها هو إبادة الافكار، فلم أر أهمية لذلك لأن المطلوب من كل الاشياء التي تقتل أن تشترك في خاصية القتل كحد أدنى وليس على الشكل أي معوِّل. لماذا لا أُجرِّب المبيد الحشري كمبيد فكري؟ تاريخ العلم التجريبي يحكي عن تخرصات مثيلة.
أمسكت علبة المبيد الحشري وأطلقت رذاذها كثيفاً إلى أعلى. لدهشتي أحسست أن رأسي ينجذب إلى أعلى كأنه يتحرر ويشف. فجأة رأيتني في المرآة أمد يدي مهنئاً شخصين في بياض الزي الملائكي. إذ هو في تعلقه السمج بها خاط لنفسه بدلة بيضاء في لون فستانها. رأيتني أُهنئهما في جو من التسامح. بل إن منظر الاشياء القابعة على حافة حوض الغسيل أشرق أمامي لكن الاشياء نفسها لم تكن مشرقة. أكثر من فرشاتين مفعوصتين وأنابيب فعصها الفقر فأهرق ما فيها حتى أصبح الضغط عليها كل صباح طقساً عقيماً. وزجاجة العطر الفارغة التي أحضرتها فارغة لأنعم بشكلها المبتكر وكذلك لتأسيس علاقة ما يمكن الدفاع عنها يوماً. أخيراً إنجلت أمامي المرآة صافية حتى من لطع المعجون الدقيقة التي يحدثها السواك المتعجل. كان رأسي في المرآة عادياً لم يترك طنين الأفكار عليه أثر. رأس معلم ابتدائي عادي. ضبطت نفسي طربة لهذه الحقيقة فسألتها ما الذي يفرح؟ كونك مدرس إبتدائي عادي أم كون رأسك عادياً؟ في الحقيقة الإثنان معاً! أن تكون مدرس ابتدائي هو أمر مفرح حقاً. انظر لهذا الكم الهائل من الافكار التي تترى. جيوش من معاني الهزيمة والخذلان تنتظر إمدادها وترقيتها وربما تحسين ثكناتها فيما بعد الحروب الأبدية. وهي أفكار لا يقيدها معنى ولا ترتعد امام أي رقيب بل ولا تعرف محاكمات القيم وفوق ذلك فهي كالأنصال الحادة وفوق كونها كالأنصال فهي أوَّابة لا تنافحها بتفكيكها حتى تعود مرة أُخرى بعنفوان طازج. لو كنت رجل أعمال، مفكر عضوي أو حتى مهندس مثل عريسها ذلك المهندس البرم وبرم لوجه الله دون أن يملك رؤية معمارية حائرة للوجود. لو كنت مهندس فإن أفكاري ستنسدل عريضة قشيبة ومنتظمة كالمنسوجات الفاخرة من بطن ماكينة ما . . يقتلها الملل. هكذا أفكار تحمل في ثناياها جرعة السم التي تسهل انتحارها في الوقت المناسب ولذلك يدعونها أفكار عملية. أما في حالة مدرس الابتدائي من طرازي فإن الافكار تنقذف كمحتويات قنبلة إرهابية أو يكون لها فحيح وزمجرة وهذا غير ممل وشائك نوعاً. أن تكون رأسك عادية وسليمة هو ما يحمد عليه رب العالمين فبعد كل هذا الموار والانبثاق الحشري ليس هناك ثقوب في رأسك عدا تلك المألوفة.
نظفت أسناني جزعاً من إحتمال التأخير وامتثلت للدش البارد ثم خرجت منه إلى عراك البشكير المتخشب محاولاً ألا أُفكر في رائحته فهي لفظاعتها يمكن أن تكون سبباً لغارة فكرية جديدة لن تهدأ حتى بعد إنقضاء زمن الحصة الاولى.
على أعتاب حجرتي رصدت دبيب سحابة رقيقة ثم سمعت صوت الشرخ في الزجاج يتسع لآخر الأفكار المرعبة وهي تنجو بجلدها. ربما كان الإستحمام من وسائل إحداث الهدنة وعليَّ أن أتحقق. فها أنذا في معية هدوء مفاجئ سيصحبني حتى خارج الدار. سيهيئ لي أن أسمع صوت المشط وهو يتخلل شعري المبتل وسيتيح لي أن أسمع صوت القميص وهو يتدارك نفسه ليسع جثتي الملتبسة. سيلتف هذا الهدوء حول حذائي ويرخي أُذنية ليستمع إلى صريره الواهن.
هذا الهدوء الذي لم يأت من فراغ لن يذهب إلى فراغ إذ ستخبطه سيارة زاعقة عندما أخرج إلى الطريق العام. هذا الهدوء يدفعني أن أرفع صورتها كل صباح. عليَّ أن أتأكد يومياً أن ذلك التعبير في ركن شفتها السفلى يقول لي إنك لم تقنعني. سجال يومي بين إذعانها وحيرتي. هي لا تعي إذعانها ولا ترددي فالخطاب الذي كتبته لأشرح لها فيه هذين الأمرين لم أبعثه لها لأن شهر العسل يبعد الناس عن صناديق البريد. كتبت لها: ليس هناك عند أول انحناء للطريق متسع للعشق! وما هو خلف جدار الحياة ربما لا يكون الأبدية. فلماذا هدمت هذا الجدار وأنت الحريصة على الصخب . . .
توقفت فجأة عن القراءة. صوت مألوف تسنم أعناق جلبة الطريق ليتناهى إليَّ. إنه بص المدرسة ضل طريقه ليلقاني ولا شك! إندفعت أركض وأنا أهتف بلا صوت كمجنون في أول خطواته على سطح قمر جنونه. لم أدر أين ذهب صوتي لكن السائق رآني والأطفال. الأطفال حتماً سيلعقني ضجيجهم في البص. وبينما عيوني تتقلب في الأشياء العابرة، لمحتها. تحاول التسلل من فتحة دقيقة في نافذة البص لكن الأطفال فعصوها بصراخهم والندى زلقها داخل شق يتوارى فيه الزجاج. لم أستطع أن أتحرى حشرة هي أم فكرة!
انتهت

هناك تعليقان (2):

  1. الردود
    1. شمراً للإبن خطاب قرشاب وللقاص عادل القصاص
      مصطفى مدثر

      حذف