السبت، 5 سبتمبر، 2009

عمر الحويج

رحلة عبد الشافي الأخيرة، إلى الداخل
كان ذلك، يوم احتجبت الشمس، قبل موعد غروبها المعتاد، فحجبت الرؤية، عن كل، الفضاءات الرحبة، والجميلة.
كان ذلك، يوم هبت، تلك العاصفة، الهوجاء، واللعينة، في غير موسمها، فتساقطت، كل الأشياء التي كانت مستقرة، بفعل: الجذور، والتماسك، والرضا.
كان ذلك، يوم، الكارثة الكبرى، في القرية، التي كانت، وادعة، قبلاً.
كان ذلك، يوم غرقت، مركب (الريس عبد الباقي ) فانكفأ، كل من فيها، وما بها، وما عليها لتبتلعه إلى حين، مياه النهر، الغاضبة، على غير عادتها.
حينها، تمكن، عبد الشافي، وحده من انتزاع العدد الأكبر، من بين براثين الموج المتلاطم، أما البقية، فقد انتشلهم، الآخرون، الآتين، من كل فج: أتت بهم، صيحة الخطر، التي أطلقها، عبد الشافي وردد صداها، الجبل الرابض، بمحاذاة الشط، يؤدي فعله الأزلي، في حراسة: النهر، والناس، والحياة.
يومها، خرج الكل، إلى الشاطىء، بضفتيه، سالماً ما عدا، آه، ما عداه " الريس عبد الشافي "، هو وحده الذي لم يعد، إلى الشاطىء، بأي من ضفتيه: سالماً، أو، غير سالم.
رآه الجميع، بأعين، عليها غشاوة، وهو يسبح، عائداً إلى مركبه:
تيقن بعضهم، أنه ذهب، ليعود ببقرته، الأثيرة، لديه التي كانت، تسبح بجانبه، وهى مربوطة، على حافة المركب.
وحسبه آخرون، أنه يود أن يلقي، النظرة الأخيرة على مركبه الغارق، حتى القاع، في مياه النهر، الغاضبة، على غير عادتها.
" يا، عبد، الشافي ": الصيحة الخطر، أطلقها، بعض الذين، لا يزال في رئاتهم، نفس، برغم ما في عيونهم من غشاوة. " يا، عبد، الشافي " الصيحة الخطر، الصوت والصدى: رددها، الجبل الرابض في حواسة النهر، والناس، والحياة.
"يا، عبد، الشافي،": الصيحة، الصدى: وأنت، تصارع أمواجك، يا عبد الشافي، ما زال، يخترق أذنيك، الصوت الأعلى والأقوى، أنك تستطيع أن تميزه، من بين جميع الأصوات. أنه صوت (حماد الطريفي )، صديقك، الأقرب والحميم لآخر المدى، صديقك الذي أعطيته، كل عقلك، وأن لم تعطه إلا نصف، قلبك.
تلعبون، كنتم، شليل وين راح، ختفو التمساح، حين جاءتكم، الصيحة: دائماً، تلك التي يردد صداها الجبل، هي، الصيحة الخطر يا، عبد الشافي، أبوك راح، أبوك، ختفو التمساح،: أصل الحكاية بين عائلتنا، والتمساح، بدأت مع جدى، يومها، قال بعضهم أنهم، رأوه، بأم أعينهم، حين تمكن، منه التمساح، إستل جدي، سكنيه من زراعه، وبأعصاب هادئة، وباردة: أضافوا، غرز جدى، السكين في عين التمساح: وآخرون، قالوا ـ وهذه الرواية، هي التي أصبحت متواترة ـ أنهم، سمعوا، بآذانهم التي حتماً مصيرها، الدود، أن جدى، تحادث: حديثاً طويلاًُ ومتبادلاً، وليس هامساً، ولا منفرداً، مع التمساح، وربما كان أيضاً، مشوقاً، فقد رأوا جدى، مبتهجاً، يلوح بكلتا يديه، مصوباً بصره نحو صفحة الميياه، التي بانت صفحتين، بفعل إنسراب التمساح على سطحها، وأبوك، يا عبد الشافي، أخيراً، تمكن منه التمساح: ضاع أبوك، يا عبد الشافي، وضاعت معه، أحلامك، وأحلامكم، الطفلة، أنت وصديقك ـ من وقتها ـ حماد الطريفي، حين قرر الكبار، أن تركب النهر، سيراً على النهج، والتوارث والتراث: كما قرر الكبار، أن حماد الطريفي، هو خير معين لك، في هذا المجال، وهكذا ركبتما، النهر، سوياً.
(يا، عبد، الشافي ): الصيحة: الصوت: أنت، خير، من يعرف يا عبد الشافي: كنا، دائماً، لا تنتظر الغريف، لأكثر من أسبوع حتى يكون، انقضى شأنه، ووارى الثرى، جثمانه، أما، أنت يا عبد الشافي، ها قد فات زمان، والناس تنتظر:
على الضفتين، والناس تنتظر
على امتداد النهر، والناس تنتظر
على أحر من الجمر، والناس تنتظر
وأنت يا عبد الشافي، حتى الآن، لا أثر لك، ولا بقرتك الأثيرة، لديك. ومركبك، متشبثة بقاع النهر، ما زالت. وما زالت الناس، تنتظر. من أين، انشقت هذه الأرض، وجاءت بكل هؤلاء الناس، يا عبد الشافي ؟؟، منذ متى، عرفك، كل هؤلاء الناس يا عبد الشافي ؟؟، سألتك، عشرات المرات، وأنت تلتقي، هؤلاء الناس: أيام الأسواق، تلتقيهم، أيام الأعياد، تلتقيهم، أيام الأحزان، تلتقيهم، هم غرباء، عنا، ولكن، يعرفونك. أنت، وحدك، وبقرتك الأثيرة، لديك، يعرفونك. حتى أنهم، يسألون عنها، إذا، أنت بدونها، التقيتهم، لم تكن تجيبني، أبداً، لم تكن تجيبني، يا عبد الشافي، ولكني كنت أعرف، كنت أعرف:
حين، كنت تأخذ، بقرتك الأثيرة، لديك، والناس نيام.
تخرجان معاً، والناس نيام.
تركبان النهر مرة، وتسبحان مرات، والناس نيام.
تعودان معاً، قرب آذان الفجر، والناس نيام.
تجلس منزوياً، بقربها، والناس نيام.
تنظر إليك، وتنظر إليها، والناس نيام.
تبكيان معاً، والناس نيام.
تتحاوران معاً، والناس نيام، والناس نيام، والناس نيام.
(يا عبد الشافي ): الصيحة، الصدى: ما زال، صوت صديقك، حماد الطريفي، في أذنيك، وأنت، لم تصل بقرتك الأثيرة لديك، بعد، ما زالت، تصارع الأمواج، ولم تصل الأعماق، بعد، حماد الطريفي، أسمع، أو لا تسمع، صديقي: أعطيتك، قبلاً، كل عقلي، فخذ أخيراً، والآن، كل قلبي: كنت تعرف، كنت لا تعرف، تعرف، لا تعرف:
كنا نخرج معاً، والناس نيام.
خلف الجبل، نجوب القرى والبلدان، والناس نيام.
تسائل: الأنس والجن والطير والحيوان، والناس نيام.
يأتيني: الصوت، والصدى، والهاجس، والناس نيام.
جدى قال لأبي، دون أن تعرف، جدتي، والناس نيام.
أتوا، بنا، وكنا اثنين والبقرة، ( تفرقنا )، والناس نيام.
يأتيني: الصوت، والصدى، والهاجس، والناس نيام.
يقول لأبي، والناس نيام.
"إن أباك، استولدك، من "،. "، والناس نيام.
يأتيني: الصوت، والصدى، والهاجس، والناس نيام।
" يا، عبد، الشافي ": الصيحة، الصوت: فات زمان، طويل، يا عبد الشافي، ولم تعد الناس، تنتظر.
على الضفتين: و، لم تعد الناس، تنتظر.
على امتداد النهر: و.. لم تعد الناس، تنتظر
على أحر من الجمر:، لم تعد الناس، تنتظر
وأنا ما زلت أعاود السؤال، لماذا لم تتزوج ؟، يا عبد الشافي: يقولون جدك، انفسخ، عقد زواجه، في ليلته الأولى، وأنت، يا عبد الشافي، لم تتزوج بعد. قال جدك للعجوز المسن، لن أفسخه، يفسخ جلدك، وأنا، يا عبد الشافي، كنت أحسدك، حين اختلس النظر، إلى الجميلات، عندنا، وأراهن، يختلسن النظر إليك، وقتها، ومع اندهاش الحاضرين، وانبهارهم، انفسخ جلد، العجوز المسن، عن آخره، وأنت، يا عبد الشافي، لم تجبني، أبداً. وأنا، كنت أخاف، علينا، من هذا اليوم، الأسود، يا عبد الشافي: يقولون، لم يسترجع، العجوز المسن، جلده إلا بعد أن، تنازل جدك، طائعاً مختاراً، وفسخ العقد، حين، الدقات الأولى، للدلوكة في، أفراحنا، يا عبد الشافي، والجميلات عندنا، يختلسن النظر إليك، وأنا، اختلس النظر إليهن، يبدأ، يأخذك الاستغراق كعادتك، يبدأ، بالرعشة الأولى، في الأطراف، تتصاعد فيك مع دقات الدلوكة، المتصاعدة: وفسخ جدك العقد، إكراماً، قال للحاضرين، والتسامح، وأنا كنت أريد لك، أن تسقى، بمائك أرضك، كما فعل، الأسلاف، أبوك و، لتستقر بفعلك: الجذور والتماسك والرضا، وجدك قالوا، في ليلته تلك، ركب النهر، واختفى أيام، أو أعوام، لا أحد يذكر، ثم عاد، ومعه جدتك، والرعشة في جسدك، لا يوقفها، إلا زغاريد الجميلات عندنا، مع فتح الباب، لتحية العريس، من الآخرين، ومنك، أنت تحية النزيف، ليس إلا، والناس لا يعرفون، وعلى ظهرك، السياط، والأصوات، والهواجس، وأنت، يا عبد الشافي، كالجبل عندنا، لا يزيد منك، غير الصدى، صدى السياط: والأصوات، والهواجس، والناس لا يعرفون، والجميلات، ما زلن يختلسن النظر إليك، وأنت لا تجيبني، يا عبد الشافي، وأسعد صباحاتك، تلك التي تعقب، ليالى الفرح، وظهرك النازف، دماً، وأنت، تستعذب طعم الدم. تستعذب طعم الدم، تستعذب طعم الدم، في جسدك.
" يا، عبد الشافي ": الصيحة، الصوت: وأنت، ما زلت تصارع أمواجك، يا عبد الشافي، يأتيك من البعيد، هذه المرة: الصوت، والصدى، والهاجس، ظللت، طول عمرك الأخير، منه تبحث عن شيء، لا تعرفه. ولن تجده. بحثت عنه:
خلف الجبل، وأنت، لا تعرفه، ولن تجده.
ما وراء النهر، وأنت لا تعرفه، ولن تجده.
جبت القرى والبلدان، وانت، لا تعرفه، ولن تجده.
سألت، الأنس والجن والطير والحيوان، وأنت لا تعرفه، ولن تجده.
استعذبت طعم الدم، وأنت لا تعرفه، ولن تجده.
فجرب يا عبد الشافي، أن تختار، صارع أموادجك كي تختار، وهناك، عسى أن تعرف، مالا تعرفه، وما تبحث عنه، تجده.
" يا عبد، الشافي ": الصيحة، الصدى: فأت زمان، وأطول، والناس، لم تعد، تنتظر:
على الضفتين، والناس، لم تعد تنتظر
على امتداد النهر، والناس، لم تعد، تنتظر
وأنا، يا عبد الشافي، سأظل، انتظر، تأتي أو لا تأتي، سأظل، انتظر برغم حكاوى، الناس. سأظل انتظر.
جاء بعضهم، إلينا من البعيد، وقالوا، إنهم رأوك: وقد استبدلت السكين في زراعك، بالأقوى، والأسرع، على كتفك. بل تجرأوا، وزعموا، أنك أصبت بعضهم، وأخطأت آخرين، وأنا سأظل، انتظر.
وجاء غيرهم، وادعو، أنك: أصبحت، عائلات بلا عدد، وبقرتك الأثيرة، لديك، ملأت الأرض، قالوا. ولم تعد، في حاجة، لأن تجوب بها، القرى والبلدان، وأنا سأظل، انتظر.
وقال، بعض الذين، كانوا هناك، يوم الكارثة الكبرى، أنه لابد، أن تكون، قد التهمتك، وبقرتك الأثيرة، لديك، اسماك النهر، والتمساح، في ليلتك تلك، المشئومة، وأنا سأظل، انتظر، تأتي أو لا تأتي سأظل انتظر.
" يا، عبد، الشافي ": الصيحة، الصدى: صارع أمواجك، صارع أمواجك، ها أنت، الآن قد وصلت إلى الأعماق، فلتبدأ، يا عبد الشافي، رحلتك الأخيرة إلى، الداخل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق