السبت، 5 سبتمبر، 2009

قصى همرور

صاحب البستان
قصي همرور
كانت في مخيلتي دائما، صورة الرجل الذي يمشي في الصحراء الشاسعة حافي القدمين، دليلا على التيه، وعلى فقدان الدليل ॥ راجعت هذه الصورة في خواطري الثقيلة وأنا أبدو بنفس المظهر الآن.. في عمق الصحراء.. حافي القدمين..
كنت قد خرجت من قريتي، دون نية عودة.. خرجت منها هاربا وطالبا.. هاربا منها إذ سئمتها.. سئمت فيها حياتي.. وسئمت الأليم من ذكرياتي.. وطالبا حلما.. حلما عزيزا راودني، وصاحبني في تقلبي يمنة ويسرة.. إذ أني، ابن القرية، كنت أحلم بمدينة، ليست كالمدن..
رغم كل ما يشير إلى أن تلك المدينة إنما هي غزل أحلامي، إلا أني خرجت أطلبها.. وبدل أن أسأل نفسي (لماذا الخروج في طلب الاحلام؟) أخذت أسألها ( و لم لا؟.. وما الذي بقي لي هنا كي أبقى أحرسه؟).. وقد أغناني عجزي عن إجابة ذلك السؤال عن الإلتفات إلى الآخر.. فخرجت لا ألوي على شيء.
ثم تواصلت بي السبل.. وأصبحت أنزل كل ليلة في منزلة، وأرتحل مع طلوع شمس اليوم المقبل.. ولم يحل لي المقام في بلدة أو مدينة، أو ساحل أو واد، أو قمة أو سفح، أو بر أو بحر.. حتى ألفت الترحال وألفني.. وأجدت صنعة الوحدة كما يجيد العامل الماهر حرفته..
فأصبحت أستأنس بها وتستأنس بي، ولا أقدر على فراقها سوى لفترات تقصر..
وبمرور الزمن أصبح ذلك نهج جديد لحياتي، وهدف في ذاته.. فأصبحت أرتحل لأن حياتي الترحال.. وأصبحت أحيانا أنسى ما خرجت من أجله، وأظن أني خرجت لكي أخرج، ولكي أعيش مرتحلا حاملا متاعي على ظهري، حتى أضعه عند قبري.. وبينما أنا في ذلك التيه، وفقدان الدليل ذاك، إنتبهت لنفسي، في حالة غريبة من الجوع والعطش والتعب.. وأنا أمشي في عمق الصحراء.. حافي القدمين..
مكثت على هذه الحال ثلاثة أيام، ليلها كنهارها.. بلا زاد و لا مأوى.. حتى أصبحت أمشي ولا أدري كيف مازلت أمشي.. وكأني فقدت السيطرة على أعضائي، وأمسكت هي بزمام أمرها تقودني معها إلى حيث لا أعرف..
وأنا على هذا الحال، أبصرت من بعيد، بستانا عظيما.. سوره من زجاج، يلمع مع إنعكاس ضوء الشمس.. وقد كان يقف عند بوابة البستان شيخ، داكن اللون، أبيض اللباس، صبوح الوجه.. ظل واقفا ينتظرني بهدوء وأنا أقترب.. حتى إذا أصبحت أمامه، إستقبلني وهو يفتح ذراعيه ويحتضنني ويقول بابتسامة حنون (حللت أهلا ونزلت سهلا).. رددت عليه وأنا في مزيج من الجوع والدهشة والهزال (أنا جائع) .. فقال (لدينا طعام).. وأخذني إلى داخل البستان.. وأخذ يهبني من ثماره ثمرة ثمرة.. آكلها بنهمة، وأترقب التالية.. وأنا سائر خلفه..
أدهشني دنو ثمار البستان ليد ذلك الشيخ.. فقد كان يقطف الثمار مباشرة من أشجارها.. ويقطف الثمرة بكل سهولة ويسر، ويناولنيها.. وأحسست وكأن تلك الثمار تتسابق إلى يده، وكلها تعرفه، وهو يعرفها.. وحين أتناول الثمرة أحس أنها ما تزال (حية تسعى) بنبض قوي وملحوظ داخل جسدي.. بدا لي وكأن كل شجرة في ذلك البستان تعرف هذا الشيخ، ولها معه قصة تطول.. وكأن كل وريقة، وكل فرع، وكل جذع في ذلك البستان هم امتداد له.. تسكن مع سكناته، وتتحرك مع حركاته، بنسق غريب.. كل ذلك لاحظته وأحسست به وأنا في جوعي ذاك، آخذ الثمرة من يده وألتهمها كما لو اني لم آكل منذ سنين..
سألته بامتنان (ما اسمك سيدي؟)..
أجاب (نادني صاحب البستان)..
قلت وأنا أنظر في عينيه، بنفس الإمتنان (صاحب البستان أنت)..
تبسم تلك الإبتسامة الحنون، وقال لي (ما اسمك؟)..
قلت (بُعَيْد)..

ثم هممت أن أحاول شرح الإسم ومناسبته، ظنا مني أن الشيخ لا بد وأن يكون قد تعجب من الإسم الذي من المؤكد أنه لم يسمع بمثله من قبل.. ولكنه فاجأني بقوله المستطرد المبتسم (ولكن ها أنت تقترب)..
صمت بعدها عن مواصلة كلامي وتهيأت للإستماع.. فقال لي وتلك الإبتسامة الحنون لا تفارقه (دعني الآن أخبرك القليل عن ما طعمت من ثمار هذا البستان)..
وأخذ يحدثني عن كل ثمرة بتفصيل، غير ممل وغير منهك.. بسرد جميل أخاذ.. حدثني عن أنواع تلك الثمار وأسمائها، وتصنيفاتها، وكيفية زراعة ومتابعة كل منها، ونوعية التربة الأفضل لكل منها.. بل أيضا حدثني عن محتويات كل ثمرة من فيتامينات وفوائد غذائية..
بصفة دقيقة وعلمية.. وأنا قد فغرت فاي من عجب ما أسمع.. حتى إذا به يضحك ضحكة خفيفة، مداعبة لمنظري.. أخجلتني بعض الشيء.. ثم أعقبها بقوله (حتى تعرف ماذا أكلت)..
قضينا بعضا من ذلك النهار في ذلك الأنس الساحر.. على أرض البستان الخضراء..
وانفرجت دواخلي لصاحب البستان، فأخذت أحدثه عن رحلتي، وحلمي، وما لقيته في الطريق حتى وصلت إلى بستانه.. وأخذت أحدثه في لهفة واستمتاع عن تلك المدينة الجميلة الشامخة التي خرجت من أجلها.. وهو يستمع.. ثم ساد الصمت لبرهة.. قطعه هو بقوله (تلك مدينة "كذا")..
بالطبع أخذت بعضا من الوقت أستجمع دهشتي.. لأقول له: (هل هناك مدينة حقيقية بهذا الشكل؟)..رد علي (نعم .. وهذا البستان من ضواحيها)..
قلت له (إذا فانا قد وصلت ؟).. لم يكن هذا هو أكثر أمر حيرني.. ولكن دهشتي وعجبي لم يعطياني براح إختيار السؤال.. فكان أن فلت مني هذا..
أجاب بعد ضحكة لطيفة توحي أنه أدرك موقفي ذاك.. ثم قال (ليس بعد .. ولكن اطمئن ..
سأدلك على طريقها)..
في تلك الأثناء بدأت أحاول إقناع نفسي بأن موعد الإستيقاظ من تلك النومة قد حان، فالأمر أصبح صعب الإدراك عندي كحادث من حوادث الواقع.. ولكن لم تجد محاولات إيقاظي.. ولم يمض وقت طويل حتى انتصب الشيخ قائما من جلسته.. وقال لي: (هيا إلى العمل الآن).. قلت (أي عمل؟)..
قال لي (ها أنت قد أكلت و تنعمت بظل هذا البستان .. والآن حان موعد رد الجميل له)..
ثم نظر إلي فترة، وهو ينتظر أن يسري التعجب في خاطري ويأخذ مفعوله.. ثم قال لي (هذا البستان يحتاج إلى يدك.. حتى يبقى مثمرا مخضرا، كما تراه الآن، وحتى يلبي حاجات القادمين إلى المدينة من أمثالك).. ثم ابتسم في وجهي برهة، وقال (لعلك كنت تظن أنك الوحيد الذي قام بمثل رحلة البحث هذه.. لعلك كنت تظن أن لا أحد غيرك خرج باحثا من قبل عن وجود له في مدينة الأحلام.. هذه المدينة قد داعبت أحلام الكثيرين قبلك.. وقد سبقوك إلى هذا البستان.. فتزودوا منه لطريقهم.. وبعد ذلك شمروا للإبقاء على نضارته وجماله كما وجدوه.. والآن دورك قد حان)..
قلت له (وكيف سأصل للمدينة إن كنت سأبقى هنا في هذا البستان لأعمل؟).. وقد أحسست بالخجل مباشرة بعد ذلك السؤال، فها أنذا أحاجج بكل بجاحة بعد أن كنت قبل قليل ضعيفا ومحتاجا..
ولكن صاحب البستان كان حليما، فأجاب بنفس الإبتسامة.. قال (أين رأيت أنت تلك المدينة؟).. قلت (في حلمي).. فقال (ومن أخبرك بوجودها حقيقة؟).. فقلت متعجبا (أنت!)..
قال (حسنا.. أنا أخبرتك بوجود هذه المدينة على أرض الواقع، وأنا أخبرتك أني سأدلك على طريقها.. أو لم أفعل؟).. قلت له (نعم.. و لكن).. وجدت نفسي لا أملك كلمة لكي أُلْحِقُهَا بتلك الـ (لكن) وهو ينظر لي بكل هدوء.. فصمت للمرة الثانية، مكللا بالخجل أمام حلمه وهدوئه، وأصبحت أنتظر تعقيبه.. فقال بعد لحظة صمت (ما الذي ترجوه وتتمنى أن تجده في المدينة؟).. لم أكن أملك إجابة جاهزة لهذا السؤال.. فأصبحت أجمع الكلام بسرعة، محاولا الإجابة إجابة مفيدة (السعادة.. و.. والطمأنينة.. والمجتمع الطيب الذي يحتضنني.. و.. وكل هذا).. نظر إلى وجهي بتأمل أربكني بعض الشيء.. ثم قال (هل تظن أنك سوف تواصل مشوارك نحو المدينة سيرا على قدميك هاتين فتصل إليها.. وتجد عند دخولها السعادة والطمأنينة هكذا بخطوة واحدة ؟.. ثم ما الذي يجعلك تظن أنك حقيق بالإنتماء لتلك المدينة؟).. وأردف قائلا (من حسن حظك أنك وجدت هذا البستان في طريقك.. وإلا لكنت ظللت هائما في تلك الصحراء إلى أن تلاقي حتفك دون أن تجد أثرا لما خرجت في طلبه).. هذه المرة كان معلوما وبديهيا أن أبدو مضحكا.. فاغرا فاي.. وغارقا في بحر من الألغاز، ومتعجبا من المحتوى الزاجر في كلام صاحب البستان.. حتى بدأت أحس أنه إنما يداعبني بذاك الكلام، وسرعان ما سيقول لي أنه يمزح.. ولكن قسمات وجهه لم تدل على شيء من ذاك.. فحاولت الإنصات أكثر.. علّني أفك رموز هذا اللغز..
هنا عاد الشيخ إلى الكلام، فقال (هذا البستان طرف من المدينة، وهو منها.. فإن رأيته فأنت عمليا قد رأيت المدينة.. ولكنك لم ترها بعد.. باعتبار أنك لم تر المدينة بعينها بعد)..
قلت ( لماذا؟)..
قال (لأنها ما زالت في حلمك.. فأنت تراها هناك فقط).. قلت (هي إذا ليست موجودة؟)..
قال (هي موجودة.. أو لم ترحل تاركا قريتك طالبا لها؟)..
قلت (ولكنها كانت أحلام، وليس لها صلة بأرض الواقع!)..
قال (إن من الأحلام ما هو أقرب لأرض الواقع مما تظن)..
قلت (ما معنى هذا؟)..
قال ( لقد رأى هذه المدينة أناس قبلك في أحلامهم.. ومنهم من رأى من تفاصيلها ما لم تره أنت.. فالإجماع على أنها موجودة موجود.. ولكنها تنتظر الإكتشاف)..
قلت (ولكنك قلت أن هذا البستان في ضواحيها!)..
قال (نعم.. هي موجودة.. وتنتظر الإكتشاف)..
قلت ( كيف!)..
قال (انظر معي.. إن المدينة التي أنت باحث عنها حدودها أوسع بكثير مما تظن.. وجغرافيتها ليست كالجغرافيا الإقليمية التي يتحدثون عنها في المدارس.. سأعطيك مثالا.. أنت تستطيع أن ترى مثلا خرطوم الفيل فقط، ثم تبني بعقلك صورة الفيل كاملة.. رغم أنك لم تر بعيني رأسك غير خرطومه فقط.. ولكن هذا كل ما تحتاج لتعريف هذا الكائن في موسوعتك الداخلية)..
أعجبني المثال جدا.. فقلت له محاولا أن أجعله يأخذ في شرح كلامه أكثر (ولكنك لن تستطيع معرفة الفيل بخرطومه إن لم تكن قد رأيته كاملا مسبقا)..
قال بابتسامة (تماما).. ثم أردف (كما أنك تستطيع أن تعرف الفيل بخرطومه إذا كنت قد شاهدت صورة فوتوغرافية للفيل من قبل.. أو وصفه لك مصدر موثوق وصفا واضحا.. إذ ليس ضروريا أن تكون قد رأيت الفيل رأي العين من قبل حتى تستطيع تمييزه).. قلت (صحيح).. ثم أردفت قائلا (إذا كيف تفسر لي أنني أرى المدينة حال رؤيتي البستان؟).. قال (لقد أخبرتك بداية أنها موجودة.. ولم أجعل وجودها مرتبطا برؤيتك لها في حلمك.. بل إني في واقع الأمر جعلت حلمك مرتبطا بوجودها)..
أعجبني كلامه ذاك.. وبدأت أدرك أنه كان يعني كل كلمة قالها.. ثم واصل كلامه قائلا (إن أمر هذه المدينة كأمر كنز قديم.. وضع صاحبه خريطته منذ زمن بعيد.. وقصها إلى قصاصات، ووزع هذه القصاصات على أرجاء الأرض.. فالتقط بعض تلك القصاصات بعض الناس.. ثم هاموا بذلك الكنز.. وانتشر خبرهم وخبر الكنز المفقود.. فأصبح الخبر يتناقل بين شعوب الأرض، وترسم صورته الحكايات والاساطير.. فأصبح طرفا من الخيال وطرفا من الحقيقة.. ولكن المهم أن وجود الكنز قد سبق كل ذلك.. وقد كان هو بداية كل ذلك).. أخذني كلامه في فضاءات أخرى.. ولم أعد متأكدا من أي حقيقة كنت أجزم بها قبل ذلك.. ولكني رغم ذلك لم أتحسر على تلك الخسارة، خسارة المفاهيم التي كانت سائدة في مخيلتي..وبدأت أحس أني مقبل على فرح كبير.. لا أدري لماذا.. كما أحسست أن علاقتي بصاحب البستان قد بدأت للتو، وستستمر إلى مدى لم أحسب له حسابا.. أحسست أنه يرسل حولي قيودا غير مرئية عبر حديثه الذهبي، ليبقيني في البستان.. وكأنه مشفق علي من أن أخرج للصحراء ثانية وأعود للحالة التي وجدني عليها في البداية..
كانت ظواهر تلك الرحمة بي بادية في عينيه.. لهذا وجدت نفسي أسكن إليه رويدا رويدا.. وقد عاد بي إلى النقطة التي بدأ منها ذلك الحوار.. فقال (العمل في هذا البستان سيجعلك تعرف قيمته وعلاقته بالمدينة.. وستزرع فيه شجرتك وتعتني بها حتى تثمر وهي حاملة لإسمك.. وسيأتي أناس مثلك جائعون فيطعمون منها.. ويحمدوا لك ذلك.. أولا تحب ذلك؟)..
قلت ( بلى)..
قال (أو لا يجلب لك ذلك السعادة؟)..
قلت (بلى).. وقد تكاثرت حينها الأسئلة والإستفهامات في رأسي مرة أخرى.. ولكني آثرت أن لا أسأل..
قمت من مكاني.. وأنا أنوي التجربة، وأستطيبها.. وأصبحت غير مبال كثيرا لأمر مواصلة البحث عن المدينة.. ربما لأنني إستطبت البقاء في البستان وكسلت عن أن أتركه إلى الرمضاء خارجه.. كما أني وللمرة الاولى منذ بداية رحلتي وجدت من يحدثني عن المدينة التي خرجت من أجلها حديث من يعرفها.. لم يكن بوسعي حينها بطبيعة الحال أن أجزم أن صاحب البستان فعلا يعرف تلك المدينة، ولكن كل قسمة من قسمات وجهه وكل حركة من حركات جسده تدل على أنه صادق في ما يقول وما يفعل.. ورغم أن الأمر برمته جرى في زمن قصير، تم فيه إقناعي بسهولة ويسر، وبصورة غريبة وعجيبة علي، لم آلفها من قبل، إلا أني مجددا تذكرت أني منذ دخولي بستان العجائب هذا وأنا أخسر مفاهيمي وتصلباتي القديمة دفعات دفعات.. الواحدة تلو الأخرى.. حتى تلك الثمار التي تذوقتها، لم أطعم ما يشابهها في حياتي.. شكلا أو طعما..
أردت أن أسأله أسئلة كثيرة.. وأنا في طريقي إلى بدء العمل على أية حال.. قلت له (وأين الذين جاؤوا قبلي ؟.. أين ذهبوا؟)..
قال بابتسامة (سترى منهم حال البدء بالعمل)..
فقلت له (هل من ملبس معين أحتاجه يناسب هذا العمل؟)..
قال لي (ملبسك هذا مناسب)..
قلت له (وأين العدة التي سأعمل بها)..
قال (سأسلمها لك.. حال نصل لمكان شجرتك)..

وحين وصلنا لموقع الشجرة، سلمني العدة.. وبدأت بمحاولة الحفر فورا، والحماس يملؤني.. كما أني كانت عندي رغبة، غريبة حمقاء، في أن أرى صاحب البستان قوتي الجسدية، متفاخرا بعنفوان شبابي.. فإذا بي أجر أذيال الخيبة والهزيمة من أول ثلاث ضربات! فوقفت ملتقطا أنفاسي، وأنا متعجب.. فالعدة كانت ثقيلة علي بشكل لم أتوقعه.. ورأيت صاحب البستان يضحك من منظري ضحكة مداعبة.. وأخاله قد أدرك ما دار بخاطري.. وقال لي (ستتعود على العمل رويدا رويدا.. فلا تستعجل)..
كانت هذه أول مرة منذ فترة طويلة أمارس فيها نشاطا غير الترحال.. لهذا إحمرت كفتاي بسرعة، وتخدشتا.. منذرتان بجروح من ذلك النوع الذي يصيب حديثي العهد بالحفر.. ولكن عنفواني أبى علي التشكي وإظهار ضعفي أمام صاحب البستان.. ولم أحسب حسابا في تلك اللحظات أنه قد رأى من المتحامقين في أول أمرهم قبلي الكثير، بحكم خبرته الطويلة.. وواصلت الحفر وأنا أنكر آلامي..
وبينما أنا في هذا الحال.. إذا به يقول لي (أراك بخير)..
قلت له بتعجب (إلى أين أنت ذاهب؟)..
قال (ذاهب لمشوار مهم)..
قلت له بلهفة (مشوار داخل البستان أم خارجه ؟)..
رد علي، مداعبا مبتسما (سأوصل بعض الثمار إلى المدينة)..
منذ ذلك اليوم، وأنا أقطن قريبا من شجيرتي.. أسهر عليها، وأنتظر.. وأحلم باليوم الذي أتذوق فيه ثمارها، ويتذوق منها غيري.. وكدت أن أستبدل حلم المدينة بهذا الحلم.. وأنا بين العمل والإنتظار، والصبر ونفاد الصبر، والحيلة وقلة الحيلة.. أتنزه أحيانا في أرجاء البستان الشاسعة، وأتأمل فيها.. وأسمع صدى صاحب البستان عندما يلفح النسيم وريقات الشجر.. يهمس بعبارات مفعمة بالأمل.. وأعجب من أين يأتي الصدى؟.. وأعجب أين ذهب صاحب البستان؟
قصي همرور
مارس 2004

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق