السبت، 5 سبتمبر، 2009

فتحي بحيري

(1)
ظلَّ يدأب منذ زمن على نحت شيء في الجدار. ظللت منذ زمن؛ أنا والبقية، أراقب ما يفعله ستيلو. كان يقول، هو في الحقيقة لم يكن يقول شيئاً، كان من أظهر صفاته الصمت؛ الصمت المبين. عندما يصمت ستيلو نفهم أنا والجميع كل شيء. فهمت منه أن ما ينحته، وأن ما يرسمه، في الجدار، ثقباً.
ـ لكن يا ستيلو، الثقب لا يُنْحَت في الجدار، ولا يُرْسَم، إنَّه يُحْدَث. هل أنت واعٍ إلى أن ما تفعله في الحقيقة هو أنك تثقب الجدار؟.
لم يقل شيئاً، ولكني فهمت منه أنه لا زال ينحت شيئاً ما، أو يرسمه، في الجدار. لم أكن حينها قد أخذت دروساً في المدرسة عن الاشتقاق، ولا عن أفعال حروف الجر:
ـ لكن، يا ستيلّو، الثقب عَدَم، كيف ترسم العدم، وتنحته؟.
حينها، لم يكونوا قد فرضوا عليَّ واجب تعلم الفيزياء، ولا منحوني ذلك الحقّ، لكنني فهمت، عندما صمت ستيلو، أن الثقب عَدَمٌ في مادّة الجدار، كونٌ في مادّة الثقب.
(2)
ـ لماذا، يا ستيلو، تشبهنا ولا تشبهنا، إلى هذا الحد المجاور للألم؟. طارحته الأسى ذات غباء، كان صامتاً جدّاً، وكان الآخرون نياماً على أرجلهم من فرط سكب النهارات على أرصفة الشوارع والحافلات وحافات البيوت والذوات التي تنقُّ في ذواتهم غيظ بكاء.
لم يقل لي شيئاً البتة، أو عساه لم يقل لي البتة شيئاً، كنتُ نصفَ صاحٍ ونصفَ نائم، في الغربة التي خُيِّل إليّ أنني أفهم عنه، وبذات اللذعة، أنه منّا، أنه ليس نحن!.
(3)
ـ هل تدرس يا ستيلو ما بين النقبة والإزميل الحكمة والكيمياء؟.
هكذا ناجيته ذات دهاء غير ماكرٍ البتة، كنت بريئاً مني حينها، بريئاً حتى من متن السؤال ومن هيلمان السياق.
ـ في الشهورِ واحدٌ يُكنَّى أبريل، لاعلاقة له، إن كان له علاقة، بغير الصدق، والانتباه، وإن كانت الأشياء، أو بعضها يكذب، فإن الوقت، وسيَّما أبريل، لا يكذب البتّة.
أو أنه صَمَت:
ـ لا يكذب أبداً.
بيد أنه أحرجني، بكل تأكيد، مع سيدتي الحبيبة التي أسميها في اللغة الأجنبية، بغير تدقيق، Generalization، ويُدلِّعها الرياضيون والفلاسفة، باللغة الأجنبية، بغير تدقيق، أيضاً، Abstraction، بيد أنني لم أكترث، بداهةً أنه لم يكن معنا أحد، وكان الآخرون نياماً على أرجلهم، وأنني كنت نصف صاحٍ ونصف نائم:
ـ هل تحتاج مني شيئاً قبل أن أنام؟.
وكنت فعلاً أحتاج شيئاً واحداً هو أن أنام। ما قال، مجدداً، شيئاً. لكنني فهمت منه، ما بين نقبتين وإزميلاً واحداً، كنت أعرف حينها الفعل المشترك لـ(بين) والـ(واو) على الإزميل، بيد أنني كنت نصف صاحٍ، نصف نائم، كاد يرفع عني القلم/ بَيْدَ أنني لم أضع القلم بعد، فهمت منه، ما بين نقبتين وإزميلٍ واحدٍ، أنه يريد مني شيئاً واحداً: هو أن... أنام.
(4)
في المطارات البعيدة، والموانئ، قابلتُه، يحمل غَضبتين، وأسىً واحداً، وعشرين أحجيةً، ونصف، اسمها بالضبط: إبريل وغربة وأشياء أخرى كثيرة، ونصف وخمسة.
قابلته أيضاً عند تلك الطابية، يحمل إزميله:
ـ ستيلو!، ماذا تريد أن تفعل؟.
ـ لاشيء، أضبط ساعتي.
لم يقل شيئاً، ولم أفهم أنا هذا، غير أنني عدت أدراج الجدار، أقضم أظافري، ولا أغني البتّة.
(5)
لا تسألوني عن عناصر ستيلو!، أخبَروني في المدرسة عن الثمانية وثلاثين رسماً، معظمها ملتوٍ، قالوا لي إن ما أفعله على الورق الأبيض بهذه الصعوبة، على بعدين فقط، ذلك الذي أتركه كلما جعت جداً، لآكل، وكلما شبعت، لأنام، قالوا عنه إنه اللغة؛ الأخت الكبرى للفيزياء، تلك التي تغسل لها وجهها كل صباح، وتلبسها فستانها، وتوصلها إلى المدرسة لتدرس اللغة والفيزياء والحساب، قالوا لي إنها أنا. في العصر، عصرُ غدٍ وأمس، وكل عصرٍ إلى ما شاء الله، لا توجد الفيزياء، ربما تكون مع بنات الجيران تلعب الحجلة، ولا توجد اللغة، غالباً ما تكون لتأتي باللبن، في العصر، عصرُ غدٍ وأمس، وكلُّ عصرٍ إلى ما شاء الله، يوجد ستيلو يدأب منذ زمنٍ على نحت شيءٍ ما في الجدار.
(6)
وَيْحَهُمَ!، علَّموني حينها أن (الكتابة على الجدار)، غير (الكتابة فيه)، ربما لو كنت أعلم، لما احتاج ستيلو مني شيئاً واحداً هو أن أنام، ولمَا سقط عني القلم!.
(7)
لا، لا تسألوني عن عناصر ستيلو وعن ماهيته، لم يكن يلعب البِلِّي عندما كان طفلاً، لا أذكر أنه كان طفلاً ذات يوم، من قال إن ستيلو ليس آدمياً مثلنا؟، لا أستطيع أن أغيِّر قناعاتي أن الدم عنصر من عناصر ستيلو، بيد أنني لا أزال أعرف أن الفيزياء لغته، وأن اللغة فيزياؤه.
الحزن كان نواة تكوينه الأولى:
ـ مالذي يجعلك يا ستيلو على إبريل تنكفئ، الحياة تمتدُّ خارجه كما اللغة؟.
ـ في إبريل تأخذ الأشياء وجهها الصدوق.
ـ بقية الأوقات لا تكذب.
ـ في إبريل تأخذ الأشياء وجهها الصَّدُوق.
ـ هل تصدّق يا ستيلو رسمةً كتلك التي نشير بها إلى الحروف والأرقام والتعجّب والاستفهام؟.
ـ الصدق باطن اللغة، حياتها التي تمنح الفيزياءَ ضوءَ شمسها ومائها.
ـ هل العذاب يا صديق أن نجيء؟.
ـ الحياة أن تمر من نوافذ المجيء مرتين؟.
ـ ستيلو؛ لا أحبُّ هذه اللفظة (نوافذ)، إنها تذكِّرني باللصوص والروائح القوية الكريهة ومنصَّات محاكم الطوارئ النّاجزة، والصعاليك والشتاء.
ـ العذاب أن تقول للذي ما كان: أين كُنت؟.
ـ ستيلو.. أنا آسف، لكنني صحوت ذلك الشتاء مرتين، أين كنت؟!.
الجمعة 4 ديسمبر 1998م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق