السبت، 5 سبتمبر، 2009

صفاء نقد

البحر . . ظل السماء
كل ما يفصل وجهها عنه دخان كثيف كان يندفع من فمه على وجهها كل حين،لم تكن تبدو كما تركها عيونها الخجولة أصبحت أكثر تمرداً،ضحكتها الهادئة...صارت عالية ومجنونه.أما هي فقد كانت تغوص في تفاصيله،تغير فيه الكثير ذاب حجمه الضخم،وعيونه الصغيرة الماكرة قد تلاشت فيها تلك اللمعة فأصبحت باهته،كل شي فيه تغير! فقط صوته الحزين الساخر بقي كما هو.
خلفهما البحر يتمدد في صمت،أمواجه تخطو في هدوء عذب لتنكسر على شاطئه،وأمامهما يمتد المكان بإضاءة خافته،و من زاوية ما كان(محمد عبده)يغني(الأماكن كلها مشتاقة لك).بينما هما جالسان يحاولان كما البحر أن يقولا شيء.
هو أغمض عينيه قليلا وترك جسده ليرتاح،بدأ وكأنه يحاول أن ينفصل عن هذا العالم، الهواء كان نقيا ومنعشا والهوى أيضا،كل شيء في هذا الحيز الصغير كان يبعث السكينة والأمن،حتى يقينه بأنها تقابله تماما،أذنها تبعد عن كل ما يثقله من وجع سنوات بمقدار همسه، قلبها كان مفتوحا بمقدار أن يبكي.فقط كل ما يبعده عنها هو عيناه ما أن يفتحها حتى تتبدل امرأة غير المرأة و مكان غير المكان.اتكاءته كانت تبدو مثل استرخاء مريض في جلسة علاج نفسي،هي كانت تبدو مثل مرافقته الحميمة أحيانا ومثل طبيبته أحيانا أخرى. كانت تنظر إليه وهي تحس به،بأن شيئا ما يعبث بكيانه لكنها لم تدرك ما هو.تحول كل ذلك الوله والشوق الذي سكنها إلى إحساس عميق بالحنان حد الخوف والشفقة البريئة انسابت دمعة واحدة من عينها مالحة،كأنها قطره من ذلك البحر..
كل ما يراه مختلا هما يجلسون على سطح الصالة والأرض و البحر من فوقهما رؤوسهم قد بلغت السقف وأرجلهم تطأ الهاوية. كل رواد هذا المكان يزحفون برؤوسهم بمنتهى السهولة ما علق بذهنه منظر الميزان عندما رأى التاجر يكتال ما أراد شرائه ويستوفي فكان الميزان مختلا.
سألها أن كان هناك مشروب فراولة طازجة...فهو يشعر بعطش شديد...هي أشارت بيدها إلى النادل ازدادت نظراته لها سوءا وهو يراها توحي له بإشاراتها.هي أطرقت رأسها لماذا يرمقني بهذه النظرات المزرية. بدأت الصالة مثل سفينة تائهة قد عجز قبطانها عن قيادتها...بعد أن أتعبه البحث عن بر لا سبيل له.
وصل ما أشتهى من مشروب نظر بغضب هو يريد فراولة،جاءت له بالماء. أحست بضيق شديد،ناولته العصير ثم فتحت حقيبتها،أخرجت منها الساعة تطلعت فيها،ثم ارتدتها .
هو كان ينظر إليها وعيناها تزدادان جرأة،فتحت حقيبتها أخرجت منها حقنة دقيقة وصغيرة تطلعت فيها طويلا ثم مدت يدها اليسرى غرزت تلك الحقنة تحت جلدها سحبت الكثير من دمها،وأفرغته على الكوب ثم دفعته نحوه وهي تقول لي اشرب فراولة. أغمض عينيه سريعا هم بأن يحطم أي شيء اخرج ورقة من جيبه،واخذ يقطع فيها بعصبيه،ثم ذراها في وجه النسيم....
السحاب قد أثقلته الغيوم،لمع برق قوي جدا..كان نذير ذلك الصوت المدوي من الرعد انسابت الأمطار،بدأت مثل دموع غزيرة ومندفعة،كأن السماء تبكي شيئاً ما.بينما البحر هادئ يبتلع كل ذلك التساقط وموجه مازال يثابر في مسيرته نحو الشاطئ و(محمد عبده) يتعالى صوته بالأماكن وهو يغني(كنت أظن وكنت أظن وخاب ظني).رأته يمسك رأسه بيديه وهو مغمض عينيه بدأ مثل لوحة بارعة وحزينة عنوانها الحيرة .
السماء و البحر يتناوبان وجع ما ।السحاب ينزف في صمت و البحر يستقبل كل ذلك الركام دون كلل أو ضجر ثم يفتح كل مكان فيه ليحتوي ما سقط من السماء.أذن السحاب على وشك أن يصير بحرا ولكن كان السحاب عذبا فرات والبحر كعادته ملح أجاج...مثل لحظة الحزن والفرح ينتابنا الفرح تسكرنا لحظاته نحس أن الحياة كلها هذه اللحظة،ثم يعاودنا الحزن يستنفر كل حواسنا مثل منبه ثم يوهمنا بان الفرح ما كان يوما.فتح عينيه وجدها غارقة في دموعها نظر إليها عميقا،لا يمكن أن تكون أحست بي هذه الدموع ربما أخذتها من دموعي تحسس وجهه كان جاف لا اثر لدموعه.همس بداخله(نعم هي من سرقت دموعي). منظر الميزان المختل صار أكثر حضورا كان يشبه إحساسه المتطرف دائما،الميزان كلمة سحرية لكن مادام مختلا فهو يشبه منبر الحاكم أيضا.
هو رغم كلماته اللاذعة التي يحدفها عليها كل حين إلا انه كان يكابر إحساسه بالراحة وهو على يقين من جلوسها بقربه.هي من فرط ما أحست به كانت تحاول أن تخرج منها أي دلالة لوم لكنها لم تستطع.
زخات المطر العالية والهواء العنيف جعلت التيار الكهربائي ينقطع بعد أن حدث تماس طفيف..خمدت الأضواء و صمت (محمد عبده) عم الظلام المكان...عمال هذه الصالة هو رأهم قد تحولوا إلى نحل حملت كل نحلة وردة من نور ووضعتها على كل طاولة لكن مازال البحر أعلى و السماء من تحته وكل الناس يزحفون برؤوسهم وأقدامهم تأرجحها الهاوية.
هي كانت تنظر اليه وضوء الشمعة المضطرب قد بعثر ملامح وجهه فبدا شكله غريبا، هو تأملها على ضوء الوردة،أحس بأنه لأول مرة يراها بطريقة صحيحة كانت كما هي،نظر خلفها كان ظلها يتمدد مخيفا،حاول أن يتجاهله حاول أن يركز فيها هي فقط، قالت
- خاصية الحزن البوح
نظر إليها أراد أن يرتمي على أمواجها أن يغسل كل ما يراه بدموعه حتى ينقشع عنه رمد الخيبة الذي يدعوه لان يرى كل شي فارغ ومزيف حتى نفسه أحيانا. نظر خلفها كان ظلها يتقافز مرعبا صاح فيه الظل (أنت مجنون.. مجنون)..قال لها بعنف
- اصمتي.. أخرجي الحقنة التي لونت بها الماء
فتحت حقيبتها أخرجت له وردتان حمراء وبيضاء،ثم خيرته بينهما،اختارهما الاثنتان. ذاكرته لفظت مشهد الميزان فاعتدل الكون . وطأت الأرجل الأرض وارتفعت الرؤوس عادت الأضواء وانقشعت السماء،البحر توشح ثوبه الأزرق الجميل. كل الناس مسالمون وطيبون،الخير خاصية الإنسان كما البوح غريزة الألم جملتها الصائبة، وجهها كان يشع ضياء،هاهو يمسكها من يدها ولكن دون أن ترتعش كفه،ليس هناك ما يزيف الرؤيا...يقودها ثم يسبحان بعيدا،هو يحيطها بحنانه وهي تزخرف له المكان بشهدها.الأمواج بدأ هديرها في ازدياد مثل أوبرا قوية وعالية فكانت السماء أكثر حماسا،وهما مغروسان على رمل الشاطئ مثل شجرتين.
تطلعت نحوه رأته شديد الوسامة بثياب بيضاء ناصعة جدا، شعره الأسود كان لامعا ومن ظهره امتد جناحان ضخمان بذات البياض،هكذا كانت تتخيل شكل الملائكة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق