السبت، 5 سبتمبر، 2009

عبد الغني كرم الله

دورانيــــة بس!!




عبد الغني كرم الله



(1)



في الصبح، كنت أقتفي ظهر أختي الكبرى "عشة"، طريدها، ونحن في طريقنا للمدرسة الابتدائية وقبل أن أخرج من الحوش، لصقت خدي ببابنا الحديدي، وهو مخلوق من زنكي، يتموج مثل رمل السفاية حول حوش على ود السالم، فصرخت:



"وااااااااااااي.. واااااااي".



كان الباب ساخنا جدا، ومساء الأمس لم يكن الباب محموماً، حين كان القمر ساطعا، وبعد أن نامت حبوبتي قبل أن تتم الحجوة، ذهبت لإغلاق الباب من الحمير والكلاب والبعاتي والغول، فلصقت خدي به، كان باردا، ناعماً، حلواً، ونسيت الألم الذي سببه نوم حبوبتي، قبل أن تنهي الحجوة!



التفتت أختي لصراخي، التفت وجهها فقط، فيما ظل جسمها في اتجاه المدرسة..



- عشة..عشة... باب الزنكي عيان؟

- مالو!!، ردت متعجبة، ثم أردفت، وكأنها لم تسمع

- قلت شنو؟ (قالتها وهي ترفع قوس حواجبها، كما لو أنها تود لصقهم بشعرها الغزيز، الجميل)..

- عندو حمى شدييييييدة.

فأشارت أختي، وهي تسير أمامي، للشمس، قائلة:

- ياخي سخنتو الشمش...

- والقمرة ليه ماسخنتو بالليل؟

هزت رأسها، لا أدري هل هزته لأنها لا تعرف إجابة السؤال أم هزءاً منها!



***



عدلت أختي شنطتها الدمورية، والتي انزلقت عن كتفها، ومضت أمامي، ركضت نحوها، وأنا أحرك رأسي يمينا ويسارا، متعجبا من حركة أختي، وقدرة الرأس على اللف الدوران كحجر الطاحونة، ثم صحت خلفها: برودتي وين مشت؟، والتي دغدغت خدي بالأمس، جريت باكيا وراءها، التفتت بوجهها قائلة، أيضاً:



"الشمش هي البترسل السخونة".

ردت متأخرة، بعد صمت طويل، والبرسل البرودة منو؟ نظرت بغضب جميل نحوي، ثم أسرعت قائلة:

- أجري، أجري الجرس قرب.



***



ليس لبابنا فم أو أسنان، مثل فم حبوبتي، ومع هذا امتص البرودة بجسمه، ولسانه، كما امتص السخونة، أيضا، وهضمها في معدته،هل الشمس مصابة بالحمى؟، هذا السؤال لم أوجهه لأختي عشة، كانت خواطري تسأل خواطري، ذكرتني حرارة الباب بحمى الملاريا، التي كثيرا ما تصيبني، وبسببها أكره الشاي السادة مؤقتا، وحملتني أمي ليلا بالحمار لبيت التمرجي سعد، كي يحقنني بالإبرة في صلبي، وأنا أصرخ، بسبب الألم، وكي تسمعني حبوبتي، ولكن صوتي لم يكن حكيما، بل تهور كثيرا، فقد جرى هنا وهناك ككلب مسعور، فقد وصل صراخي لحمد وطيفور، زملائي بالمدرسة، ففرحوا بهذه الشماتة، وحكوها لكل الفصل، بل بقية الفصول بالمدرسة، وحين حكوها لنعمة، بائعة النبق، أعطتهم حفنة مجاني، وللحق سعدت بذلك، أحب أن يكون لبكائي جدوى ونفع!



***



- كنت أفكر في موج السفاية، والتي وجدناها الصبح تحيط بمنزل على ود السالم، لم يستطيع عقلي أن يحصي عدد الأيدي التي تمتلكها الرياح وهي تحمل كل ذرات الرمل، ثم ترصها بشكل ماهر ودقيق، وفنان، ولم تتلوث يديها غير المرئية، وكيف حملت ذرات الرمل دون أن تملك أصابع وراحة يد، بل ولا عظام، كانت نهاية الأمواج كحد السيف، كيف وضعت الحبيبات الأخيرة على سقف الموجه، ولم تنزلق، وضعتها برفق وإناءه أسطورية، كم أحب مهارة الرياح.



فجأة وجدت نفسي داخل سور المدرسة.



***



ما تكلم زول بالعرس كويس؟

هكذا أمرتني أختي بصورة حاسمة، ونحن على أعتاب باب لمدرسة المختلطة، بعد أن قرصتني بشدة على عضدي.



***



لم أشعر بالطابور، وهو مصطف فالقرصة كانت مؤلمة، وخواطري لم تفهم معنى البرودة بعد!



***



وقف الناظر وسط الطابور، وحوله كل الصفوف من الصف الأولى وحتى السادس، فجأت تذكرت العرس، فركضت، شاقا الفصول.



الليلة يا استاذ ما بنجي درس العصر أنا وعشه.

ليه يا حاتم؟

أمي داير يعرسوها، وأنا عازمك.



(ضحكت كل الصفوف، فزجرها الناظر بكلمة واحدة، فصمتت).



وأبوك مش حي؟ سألني الناظر برفق.

أيوة...أبوي في السجن وقال ليها عرسي.

فجأة رأيت دموعاً تنزل من عيون الناظر وهو يمسح على رأسي برفق شديد، سرت قشعريرة أمن في أعمق أعماقي، تمنيت أن يمسحه مائة مرة، وينسى الطابور.

أنت مش أبوي برضو؟ (سألت الناظر).

هز الناظر رأسه والبسمة والحزن تتصارعان فيه.

وقبل أن ادخل الفصل تذكرت بأن أختي هزت رأسها هزءاً مني، وليس جهلاً بالإجابة، أساريرها كانت تقول أكثر من ذلك، لم أفهم الاساءة حينها؟ غضبت من نفسي!



***



جرى حاتم للصف الثاني، ووقف، مسحت دموعي، فعلا، لا علاقة للروح بالجسد، طفل قبيح، دميم، ولكنه يملك أجمل روح رأيتها في حياتي، روح كالموسيقى، بل أجمل، بما لا يقارن، وللحق، فأنا أراه أجمل طفل رأيته في حياتي كلها، وليس في تاريخي مع المدرسة، والذي تجاوز 35 عاما، بالتمام والكمال.



لم أكمل نصائحي، أمرت الطابور بالانصراف، وأنا انظر لحاتم وهو يلوح لي بالخبر السعيد، عرس والدته "فطين"، وأخته عشة في الصف الرابع أحنت رأسها وهي تمضي لباب الفصل، كسنبلة قمح، مليئة بالحزن والشجن!



***



مضت ثلاث حصص، وأنا في مكتبي، متردد بين الذهاب لعرس والدة حاتم أم لا، انتابني إحساس قوي بأن أراه الآن، وأرى أخته، تجولت في البرندة، والتي تفتح عليها الفصول، رأيت عشة غارقة في آسى، وهي سارحة خارج حصة العلوم، التي تدرس لها.

لم أرغب في الدخول.

ذهبت لا شعوريا لفصل حاتم، كانت الحصة رسم، كتب الاستاذ أعلى السبورة التاريخ، وبعنوان كبير كتب وسطها: (حصة رسم)، وأعطى كل طفل ورقة رسم ومجموعة من الألوان، وأمرهم أن يرسم كل طالب منزلهم



***



رأيت التلاميذ منكبين على الرسم، منهم الذكي، ومنهم الماهر، ومنهم من رسم أدق التفاصيل، حتى السبلوقة والشجرة والمزيرة والصالون، وحين وصلت لحاتم وجدته يتفرج عليهم، وكنبته فاضية، وعليها الورقة ومرسوم عليها (دائرة بس) وبقية الورقة فاضية.



فسألته بهمس: يا حاتم، ليه ما رسمت بيتكم؟

صاح بصوت عالي

- رسمتو ياستاذ

- وينو؟

- ده، (وأشار للدائرة)..

- ده بيتكم..

- قال: أيوة بيتنا قطية بس...

.....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق