السبت، 5 سبتمبر، 2009

صـلاح الزيـن

"الصـلع" وما بعـد الحداثـة
"Nothing is poorer as a thought expressed as it was thought" W. Benjamin
صلاح الزين
هل تحتاج الشعوب إلى حكومات؟ ألقت بالسؤال، كفضيحة، إلى الحاضرين المشدودين بخيوط خفية نحوها، لكل خيط لون وجغرافيا. بالخيط الأحمر، مدلوق هكذا على ربلة ساقها، انتعل خياله صعداً نحو أسفل جسدهـا وبقى، لحين، هناك فقد ولد في منتصف الستينات ــ ثلاث أو أربعة أعـوام قبل أيار 68 (هذه "أل أو" لا تعني مدلولها الدارج وإنما كالفصول تختار أوقاتهـا). لا يهم، فيما أعتقد كثيراً متى ولدت هي ولكن، ومن البروز الطفيف لأسنانها الأمامية، يمكن أن تكون من مواليد أوائل الستينيات. كلاهما مواليد مرحلة كان التاريخ فيها "يتقدم من جانبه المتعفن" والشعوب تتلو خطاباتها على مكامن الاسرار والترهل الممطوط بالمرايـا و الفسيولوجيا الزائدة. برونق، أشبه بصمت السائرين في جنازة، تزوق الطاولة والجالسين حولها بالسؤال: هل تحتاج الشعوب إلى حكومات؟ قبل أيار بثلاث أو أربع سنوات كانت تنمية القطاع العام شعارات تتلو على ريح التاريخ بعض من مواضعات تحرر الأشجار من سبي الوقوف على حافات دروب مضجرة ومتربة. لا أحد، بالطبع، يدري إن كانت الرياح هي نفسها أم لا، ولكنه ولد في ذاك الزمن. ذكريات الطفولة وأصدقاء الدراسة إنسلخوا من مرابعهم تلك وصاروا فتياناً وصباياً: لكل شعار ولون.
“There have been men who loved the future like a mistress”(1)
هو: بشارب كاشواك القنافذ، يتقافز عند الطرفين منسحباً من الوسط المبهوم بظلال شعيرات إنقصف نموها أو تحجر، بهكذا شارب يعطيك إحساساً بمؤامرة مـا، ولكنه، متآمر صغير، صغير لضالات المؤامرات ذاتها. الساقين مسلولتين ضعاف كأرجل شبح منهوك يبدان بقدمين، مجوفتين من الوسط، هكذا مجوفتان، بنعلين إنسهكتا بفائض علاقات سابق، سابق ومقيم. صعداً، نحو أعلى الساقين، مروراً بركبتين متكورتين و بارزتين كأنهما غبناً سافر، نسيتان يوماً ما هناك، ينسقف المشهد بحوض مفعوص كجنبات وجه أرملة قد هرمت وهرمت. على الحوض، الحوض المبري كقبر قديم، تندلق بطن تكرشت أسافلها وفاضت عن حافة الحوض الأمامية كأنها تحية لم تكتمل أو يوم زائد في حياة محارب قد من معارك ونزال. أعلى البطن وبداياتها، كنميمة لا توفر المسافة والعبور، تنغرس عند أسافل الصدر، كخائن يلثِّم أقدام ملك زنيم. المساحة الفاصلة بين أيمن الصدر وأيسره، والمشبوحة كأثر غشيته ريح عجولة، المساحة هذه تغطيها شعيرات رهيفة تتناثر في صمت وضيع. منظوراً له من أمام، أمـام بعيداً أو قريب، يبدو الصدر كجرف تتطاول حوافه بزاوية قائمة مع وسط متراجع كطعم خبر مفاجئ. على المشهد، المشهد الذي يشبه جيشاً أطبق عليه من الوسط ينغرس عنق دوار بتفاحة "آدم" ببروز حاد كمنقار صقر. تعلو وتهبط التفاحة تلك عند الإلتذاذ، فيزيقياً أو معنوي. فوق العنق، مباشرة، العنق الدوار بنقاط إرتكاز متعددة كرادار حدودي، فك يتسع عند الأطراف ويستدق ويتراجع عند الوسط، يشف وينبري، ككذبة متداولة. أيمن الفك وأيسره، وكدخان رغبة مطفأة، يعلوهما زغب شفاف نحيل بلون رمادي تخاف عليه من التساقط حال تحرك الفك بكلام وحديث ـ كلام وحديث سليل أيار وما قبله. ينثلم الفك من وسطه، كشق على جدار، بفم تطوقه شفتان مشحوذتان ينطبقان، عند الصمت والتأمل، كطرفي رمس غيباً أمي إلى الأبد. الشفة السفلى تغطي أسنانآ سوَّدها التبغ والخمر الرخيص وبعض من همس لم يبلغ مقام الكلام. الضحكة المقذوفة عند إفترار الشفتين لا تحيل، كلولب إسطواني، إلا لذاتها وهي تطقطق وتتناثرفى فضاء تموجها حرة، فى إلتزام، من مرجعيات وغمام. هكدا تتناثر الضحكة، المبروم وسطها، كخصر قديم، وهي تتلو رغبات إنثيال الغمام مطراً يسح. الرذاذ، الرذاذ الذي يسكن، أحياناً، حواف الضحكة المتطايرة، الرذاذ هذا تنافذه فتحتي أنف تسند أرنبته عوينات طبية بعدسات سميكة ذات بياض متسخ وغائـم. في قلق مزنر برغبات متنافرة كقطار ذخيرة يتسلق سفحاً ما تتعجن العيون بحراك لا يقيم وزناً للعدسات السميكة ولا حدود المشهد. مقدمة الرأس، والمتراجعة إلى الوراء، كفرس مذعور، تزوق المشهد بحضور متواطئ لا يحفل بخفوت الإضاءة أو إرتباك الرؤيا وفقرها. ينغلق المشهد، المشهد كله، الممتد من أظافر الرجلين وحتى ما فوق العينين، ينغلق المشهد هذا برأس جالس، في طمأنينة ويقين، منذ ثلاث أو أربع سنوات قبل أيار 68. وككل الرؤوس، الجالسة منذ ذاك التاريـخ، يتكاثف، عند الأطراف، شعرها وينشبك ويتراجع وينمحي عند الوسط، كمغامرة أنهكها الوقوف (2). هكذا، هكذا هو، ستيني الملامح، أياري النزوات، بجمال وهيئة نموذجية، بحسرة متوارثة وشبق متغضن خصب خصوبة تاريخ مضى بضحايا بغير سراويل و غطاء.
هـي: من شعار وFeminism ومؤتمرات(3) وأسرة مهاجرة ومنديل معطر وحلقة مفاتيح. هي هي. هي كتلة من أنثى بحبائل يشف عنها الساق الأسمر الزائد عن بياض تنورة أنهكها الصعود إلى أعلى فاستراحت، في مكان ما، أسفل تكور النهدين، فانطلق الفكر والشعار الأملس ينثران البياض والرغبة المستعجلة. منذ زمن، تقول، لفت "ماركس" بقطن طمثها السادس عشر وألقت به في براميل النفاية ومن حلم ليلة سـعيدة أراحت عجيزتها، بترف، على رأس "فوكو" الأملس، وظلت هناك، تقول، ترقب أيار المقدود من تذكير تؤنثه، الان، مرور الأحداث وتبدل الطبقات. وظلت، وظلت تنتظر.
المكـان: العمايا، المجلوبون من حجارة خضراء وظلام مستريب، بأيدي بأصابع بدربه تخلط البايولوجيا والثرثرات بملصقات الدعاية وحقائب السفر المطلية بحنين وبكاء، العمايا هؤلاء، يتناثرون، كوصايا ميت، في زوايا الشارع الخلفي ذاك وقرب بيوت الهاتف، ترى، هل يرون، فيما يرون، الكلام المحمول على هواء سري وأسلاك ناعمة؟ ليس أقل من ذلك فتنة زجاجة الويسكي التي ترشد، في صدق حمي، إلى أصابع العمايا التي تدلك الأشباح على سقوف سقفها من سماء. والنساء، النساء الراكضات في روائح الطعام، يشففن، يترقرقن، كضوء قمر، على شارع خلفي يلفه ليل محزوم بشبق يتيم.
المـرأة البيضاء: بياض آسـيوي ولكنة تربك البيبلوغرافيا. هكذا، هكـذا هي على دراية بالغة بكاتالوجات الـ Handphone ولا يعنيها، كثيراً أو قليل، تماسك فرضية ماجستيرهـا، تعدد السلط، إنتخابات برلمان السـودان ولا إندثـار الصومـال. هي بيضاء بيـاض آسـيوي ولا ترى ثمـة مبرر لوجود مكاتـب الـ UNHCR على مقربة من ذاك المساء والعمايا المضجرون بظلام أخضر وحديث لا يرى. آسيوية تخاف سائق التاكسي وتلصصات الجيران.
هو وهـي: "ماركس" بصلعة و"فوكو" بشعر غزير. أيار وآخر، أمراض إنكسارات وتاريخ تلف. بروز أسنانها الأمامية الطفيف يعطي للرحيلات معنى وبطولة هشة معها يثابر الإنتصاب والشبق المجلو كمرايا معلقة في الفراغ. فيما، لو قليلاً، أراحت يدها، يدها المستديرة تلك، والتي تسند خدها الأيمن، لأعطت لذاك المجرى، المجرى الفاصل بين النهدين، قدراً من إندياح يرشد العمايا للهواء السري ولون الكلام إذ لا ضرورة لإختلاف معنى وحدانية السلطة عند "ماركس" وتعددها عند "فوكو". وفيما، لو مرة أخرى، أعـاد إصلاح وضع حذاءه ورجليه المشبوكتين تحت الطاولة، لعدلت من قناعتي بأن الـ Feminism مقولة مدينية. تتسع المدن فتضيق المجاري وتذبل ويمكن نقل خط الإستواء بطقسه المتمائل إلى أمكنة بمواسم أمزجة شتى و ريح بلونين. في كرم عريق تنهمر زجاجة الويسكي وترعف النساء بالوان وأطوال تنورات متشاكلة، ترعفهن بروزاً طفيف في أسنان أمامية. وتلك التي بالبياض الآسيوي لا يعنيها حتى وإن تشظت الزجاجة نثارات على عيون العمايا، بعيدة آسيا، بعيدة وخط الإستواء بريح ولون واحد وتاريخ الملايو إحصاءات وأرقام حسابية. الأعميين ذينك، بعصاهما التي تتلف خضرة الظلام، لو، وهما متخاصرين هكذا، كدودتي قز، لو يقتربان، قليلاً يقتربان من هذا النتوء الذي يحاذي الطاولة، الجالسون نحن حولها، هكذا، وكأنهما مقودين بسحر لون الكلام المدلوق على المكان، وكسحابة، سحابة مثقلة بماء ونوء طفيف، وهكذا، هكذا ينهاران على الطاولة، ونخف نحن، نحن الجالسون حول الطاولة والموصولون بخيوط غامضة بما تبقى من ويسكي وبروز عضلي لطبقة أنثها أيار وإنهيارات حلم حديث (ولنقل إنهيار أقاليم الإشتراكية وتحرر أرتريا)، هكذا، هكذا إنهارا، الأعمى القصير، ويمقدمة صدره المرضوض بإستياءات وإستشعار، ينهار فوق طرف الطاولـة الأيمن ويطيح بكأسها، المنديل المعطر، حلقة المفاتيح ومقولة ل "فوكو"، مطولة، مقتبسة من "تاريخ الجنسانية" (4) تلحق بها ولاعة حمراء في أعقاب منفضة سيجائر بها نثـارات ثلج خفيف وبعض من غواية. الطويل، الأعمى الطويل كضوء بلا مصدر، ينهار على طرف الطاولة الأيسر وبعصاه، عصاه التي تنفلت من يده، تطيح بالزجاجة، وعـاء الثلج، النظارة المسنودة بصحن حمص ومقولة، موازية، فيما أعتقد، تنقر جدران ذاكرة صلبها شبق رعف ووقـع حوافر حلم بعيد، جد بعيد. جانباً، جانباً سأزيح بالأعمى الطويل المردوم، كهيولي بخس، من على كتفي، ولا ألقي بالاً للقصير، الأعمى القصير الذي يسند جسده، جسده المفتون بإثارة المكامن والخبايا، يسنده، كله يسنده، وفي براعة نادرة، بفكه، وكأنه يود إمتصاص الطاولة. أخف نحوها، نحوها هي، المسجية، كشهداء حلمنا، والمقذوفة على بعد متر ونصف من حقيبتها اليدوية، أخف، هكـذا أخف، كنعي بجرح وحسرة، متجاوزاً، وفي إصرار بليغ، عصا الظلام، منفضة السيجائر، "فوكو" وبروز وجنتيه، المقولة الكونية والنظارة بنصفها المفصول عن بعضه الآخر، أتجاوز كل شيئ وأخف نحوها، كموجة، نحوها هي، برجليها المتصالبتين وتنورتها المنحسرة، كاهة تتلاشى، عن ساقين: يا الله !!!!! ساقين يصلحان لمضاءات صدأ سري. أسندها، يدي اليمنى تحت خصرها، خصرها المبروم كأنحناءة نهر، وباليسرى أصلح تصالب الرجلين وشحوبات "فوكو"، غير المعني، في كثير أو قليل، بالبيضاء الآسـيوية المعنية، بعمق كثيف، بتاريخ الأرقام والحساب، والتي، من على بعد ليس بالبعيد، ترقب إرتباك المشهد وبيوت الهاتف و دخان الطعام. هكذا، أريح جسدها، جسدها الخفيف كضوء وفكرة عابرة، أريحه على ساعدي وأركض بها نحو تاكسي وسائق.
سـرد النص / الحكايـة:
هل تحتاج الشعوب إلى حكومات؟ ألقت بالسؤال، كفضيحة، إلى الحاضرين المشدودين بخيوط خفيفة نحوها، لكل خيط لون وتاريخ. الخيط الأحمر مدلوق هكذا على ربلة ساقها، إنتعل خياله، صعداً، نحو أسفل جسدها وبقى، لحين، هناك، فقد ولد في منتصف الستينات ـ ثلاث أو أربعة أعوام قبل أيار 68.
مراجـع:
1- Kenzaburo Oe.
2- للمقارنة والتأكد يمكن معاينة صورة "مغارة هرقل" في طنجة المنشورة في مجلة العربي، عدد 444 بتاريخ نوفمبر 1995م.
3- كمؤتمر السكان، القاهـرة، سبتمبر 1994م.
4- أحـد مؤلفات ميشيل فوكو.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق