السبت، 5 سبتمبر، 2009

منى أبو زيد محمد صالح


سـرُّ الانحنـــاءة !

منى أبو زيد محمد صالح


زعيلة بنت جلوي أنثى أثبتت خصوبتها بحماس فيه بعض المبالغة، فقد كانت زوجةً قبل أن تنهي ألعاب طفولتها وأصبحت أماً قبل أن تقف بثبات على أعتاب الأنوثة، وعندما صارت جدة كان ذلك قبل أن تصل إلى سن العنوسة حتى!

تفنُّن العجوز زعيلة في ممارسة أنوثتها ما هو إلا شكل من أشكال سطوة التقاليد في قريتها الصغيرة التى تقع في الشمال، والتى لم يسمع بها أو يعرفها إلا من كان يمتلك المبرر المُلح والكافي ليفعل!

إمرأةٌ مثقلةٌ بالحكمة الحاضرة كسنابل القمح وقت الحصاد حكمتها كاللؤلؤ لم تتكوّن في ظل التّرف بل كانت حصيلة كل ما مرت به من مصاعب وما قاسته من آلام وما شهدته عبر تعاقب جيلين من قفزاتٍ حضاريّةٍ متسارعةٍ هزّت مجتمع القرية بسخاء.

وعلى الرغم من كونها قد أمضت جلّ حياتها في إحدى قرى الشمال الخاملة إلا أن حكمتها في سبر أغوار النفوس كانت تمتد لتشمل الغرباء القادمين إلى القرية أو حتى المتمدّنين المنغمسين في مغازلة مدنيّتهم بعيداً، والغافلين عنها وعن حقيقة وجودها على سطح البسيطة !

هبوب رياح التغيير في مجتمعها الصغير تطلّب نزوح معظم أبنائها إلى العاصمة الكبرى مروراً بعاصمة الشمال في متواليةٍ نمطيّةٍ مَنطقََتْها رياح التغيير التى هبت ذات سكون !

كانت تتذمر من زيارة الرياض تفعل ذلك بثباتٍ لا يتزحزح وإن اضطرت لزيارة حائل تتململ أساريرها فتبرز التجاعيد في وجهها بجفاء. أما حين تؤوب فقد كانت نظرتها تعانق الرمال وعلى جانب فمها المتغضن طيف ابتسامة!

في إحدى زياراتها الشحيحة للرياض، قالت ذات مساء مخاطبة إحدى صديقات حفيدتها التي كانت تتذمر من تقصف شعرها الذي أنهكته مستحضرات التلوين.

ـ في زماننا كنا نضع بول الإبل فكانت جدائلنا مضرب الأمثال !

ثم متظاهرةً بأنها مجرد عجوز أمام تلك النظرة المرتاعة التي حدجتها بها حفيدتها المتفرنجة.

لم تغب عن فطنتها نكهة السخرية في سؤال الضيفة التي قالت بقرف أجادت إخفاءه:
ـ كيف تستخدمونه؟
ثم مشيرةً بأصابعها الأنيقة إلى رأسها الجميل:
ـ وكم يبقى على الشعر يا جدتي ؟!

إلا أنها بدت مستمتعةً بامتعاضهما فاسترسلت خارج النص:
ـ الإبل في زماننا كانت ترعى على الأعشاب المغذية والعطرية في آنٍ معاً أما الآن فقد تغير الحال أصبحت ترعى كيفما اتفق، بل أنهم باتوا يطعمونها كل شيء.

وعلى الرغم من حكمتها التي لا جدال فيها، كانت تبدو في لمحات عابرة مجرد عجوز أخرى بسيطة يسعدها تبادل الذكريات مع من عاصرها أو من لم يفعل لا فرق.

كانت تحكي قصة الضيف الذي أتاهم على حين غرة وزوجها غائب وأولادها بعد صغار كلما سنحت سانحة لذلك.
ـ والله قمت وذبحتها وسلختها وما عاد أبو مبارك إلا وغداهم والم!

وعندما هم زوجها بالزواج من منيرة أرملة دخيل الله ذات السوابق في الزواج تشفع لها أنوثتها ونظافتها ونشاطها الفريد الذي لم يقاوم إغراء الاستفادة منه رجال ذلك الزمن الذين أرهقهم الفقر، عاد إلى البيت في إحدى الأمسيات القليلة المتبقية لها قبل أن يصبح لهما معاً يحمل بين يديه ثوبين أهداها أحدهما على سبيل الترضية، فسألته :

ـ الآخر للعروس؟

ثم ... وقبل أن يجيب:
ـ وأمها؟

سكت، فأعطته ثوبها، ولم تنم ليلتها تلك!

العجوز زعيلة كانت ولم تزل تذكِّرني بالآنسة ماربل بطلة روايات أجاثا كريستي الشهيرة!!
تلك العانس العجوز الفائقة الذكاء التى لم تفارق قريتها الصغيرة، سينت ميري ميد، والتي تتمتع بموهبة التحليل العميق لتصرفات الآخرين وفهم ما يدور بدواخلهم ربما أكثر منهم!
مستعينة على ذلك بعلاقاتها الاجتماعية المتشعبة وما كان لأمها وجدتها من دور كبير فى تلقينها الكثير من الأفكار والمثل التي حملتها في حياتها بعد ذلك.

لطالما اعتقدت أن هاتين العجوزين متشابهتين لحد التطابق !
فعلى الرغم من عنوسة الآنسة ماربل الأبدية وكون العجوز زعيلة زوجة وأم وجدة أيضاً، الأمر الذي يجعلنا نتوهم اختلافاً جوهرياً، إلا أن ذلك التضاد ما هو إلا تأكيد آخر على مدى التشابه الذي يبلغ حد التطابق في المعالم الشخصية بين العجوزين الموغلتين ظاهرياً في اختلاف قشريٍّ مزعوم !

ففي الحالتين...عنوسة الآنسة ماربل وتفنن العجوز زعيلة في ممارسة أنوثتها نجد أننا أمام نتيجة حتمية لسطوة التقاليد !

فعوانس تلك القرى هُنّ في النهاية ضحايا لصرامة التقاليد في الريف الإنجليزى! والزواج في مرحلة التحول من الطفولة إلى الأنوثة ما هو إلا جزء من صرامة التقاليد في تلك القرى عندنا!

على أن إيقاع التطابق في معزوفة التشابه تلك يكمن في تلك الانحناءة بكل تفاصيلها !

انحناءات العجائز على أشيائهن من المشاهد المألوفة في كل القرى تمر بإحداهن وهى منحنية على شئٍ ما. منهمكةً أو متظاهرةً بالانهماك في تفحصه أو معالجته. على أن ما لا يمكن أن يفوت أي واحدةٍ منهن على وجه الخصوص هو ما يفعله الآخرون أثناء ذلك الانهماك المزعوم !

تقترب من العجوز وأنت تسير في الشارع ً تحييها متوقعاً أن تتفاجأ بك، لكنها ترد التحيَّة ومن ثم تلقي عليك وابلاً من الأسئلة ثم تحدثك عن اتجاهك وكأنها لم تكن تفعل شيئا سوى مراقبتك وأنت تسير !!

تفعل ذلك وهى منحنية على شؤونها تلك تعالجها بذات الكفاءة التي تعالج بها محاولاتك اليائسة للتملص من أسئلتها الفضولية !
ومن ثم قد تصبح أنت أيها المستهين بكل ذلك ـ ما بين ليلة وضحاها، وعلى الرغم من كل البراءة التى ينضح بها وجهك ـ قصةً أخرى من تلك القصص التي يتداولها الآخرون مؤكدين حقيقة حكمتها البالغة في معرفة خبايا البشر .
منهمكين بذلك في ممارسةٍ نموذجيةٍ لجحيم سارتر !!
إذاً، لم تنحن الآنسة ماربل يوماً عبثاً ولم تنحن العجوز زعيلة يوما ًسدى !!

كل إنحناءاتهما حبلى بالنتائج الباهرة التي تعقبها دوماً ممارسة مبهرة للحكمة !


العجوز زعيلة هي صورة رمزية لمعظم عجائزنا القرويات !
والآنسة ماربل هي صورة أخرى لكل عجائز الريف الإنجليزي.

لا أحد يستطيع الجزم بشأن هؤلاء العجائز.
هل ما يفعلنه من ممارسة لحكمتهن نابع عن ما يبذلنه من جهد لتفقد أحوال الناس أو أنهن يعرفن كل ما نعرفه ـ فقط دون زيادة أو نقصان ـ لكنهن يفلسفنه وفقاً لخبرتهن العميقة في تحليل تصرفات البشر باختلاف انتماءاتهم وطبقاتهم وحقيقة ما يفعلون !


بصرف النظر عن طبيعة الإجابة أو مبررها المنطقي، وسواءً كان ذلك في عالم الخيال والأدب أو على أرض الواقع، لم تفقد العجائز يوماً قدرتهن المتجددة على إبهارنا حينما تداعب نسائم فطنتهن غرور شبابنا الغافل عن حقائق عالمهن.

تلك الحقائق التى لن نقف عليها كاملة إلا بتعاقب السنوات علينا !


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق