السبت، 5 سبتمبر، 2009

عادل عبدالرحمن

شَغَبٌ جِينِيّك
وَضَعَتْهُ الممرضة بين يَدَيْ زوجتي، ثم نظرَتْ إلينا واحداً بعد الآخر:
- إنّه طفل جميل، لا بدّ أن جيناتكم كانت متناغمة؛ أخَذَ من كلِّ واحدٍ منكما شيئاً..
- شكراً لكِ..
- شكراً، لقد كنتِ لطيفة معنا، حقاً، طوال هذا اليوم المُفرح، والعصيب..
ولَمْ نَكَد نَفْرُغ من شُكْرِها حتى انكَبَبْنا عليه نتنازع تقسيم قَسَمَاتِهِ في ما بيننا:
- إنَّ أنفه مُفلطح، يشبه منخرَيْ والدتكِ، أمّا هذا الشعر الناعم فهو يشبه شعري، تماماً، عندما كنتُ طفلاً..
- (هه هه ها) قال ناعم، وقال منخرَيْ أمّي.. اسمعْ، هذه نَخَرة حبُّوبْتَك إنتَ، أمَّا هذا الشعر الناعم الفاحم فهو شعري أنا، وللا إنتَ عميان ما بتشوف؟!.
قالت ذلك وهي تمسك بخصلة من شعرها بطرفَيْ سبّابتها وإبهامها محاولةً إفرادها إلى أقصى مدىً ممكن، إلا أنَّ شَعْرها القصير والأجعد سرعان ما انفلت وأمسكت أصابعها بالهواء..
- (ضَحِكَتْ) نسيتُ إنّي قصَّرْتُ شَعْري، كانت فكرتك على العموم.. ولكن قل لي، مِن أين أتى بهذه الحواجب العريضة؟.
*
في ذلك اليوم جالت بخاطري كلُّ حواجب العائلة من عمَّات وخالات وأبناء قبيلة، ووجدتُ بعضاً منهم ومنهنّ ممن تنطبق عليه الأوصاف، فتبسَّمْتُ راضياً. كنّا قد اتفقنا على تَرْك أمر (عيونه) ولون بشرته؛ عيونه حتى يزول عنهم الورم ويَقْوَى على فتحهم، ولون بشرته حتى يغمره ضوء الدنيا ليبان على حقيقته، ومن ثَمّ لنبتّ في أمرهم.
وبمرور الأيام تَمَسَّك طفلنا بلونٍ نحاسيّ أصفر، وبعيونه التي لا يقوى على فتحها: كانت وكأنّما، فَتْحَتَا عينيه، عُمِلَتَا بمشرط، وسط جفنيه المنتفخيْن.
- إنّه في حاجة إلى عمليّة تجميل (قالت لي زوجتي).
- (ضحكتُ) إنتي مجنونة؟، الولد عمره عشرة يوم وتقولي لَيْ تجميل؟.. إنّها مجرد عيون صينيّة، لا غير!.
نظرَتْ إلَيَّ بغير رضا، إلا أنّني أحسستُ أنّها تشاركني الرأيَ، فعيونه صينيّة، ولا شك.
- العيون الصينيّة، عموماً، في حاجة إلى عمليّة توسيع!.
(عادت إلى عنادها) قلت لها:
- أسمعي يا بِتّ العم، لو كان الأمر كذلك فيا لحظ أطباء التجميل، فهناك أكثر من مليار عمليّة في انتظارهم..
- أنا أتحدّث عن ابننا، ما بَهَذِّر معاك!.
- طيّب قولي لَيْ العيون الصينيّة عيبه شنو؟.. هل تذكري "س" الحَكِيت ليك عنّها – كانت عيونه صينيّة، وهي من أجمل بنات الدنيا، و..
(زعلَتْ، فصَمَتُّ).
أمّا بعد عدّة أشهر؛ لم تعد هناك عين تخطئ في أنّها تنظر إلى طفل صيني: بشرة صفراء، وجه مدوّر، عينان مثل جُرح، وشعر فاحم بسبائب ناعمة وصقيلة.. كنتُ أرى فرحة أمّي الهادرة بقدومه قد شابَها بعض الارتباك، وقفشات الأهل والأصدقاء التي كانوا يطلقونها، في الأسابيع الأولى، بدون حساب حول ملامحه قد بدأت بالخفوت. وأمّا أنا وزوجتي فصرنا كمن يمشي في حقل ألغام..
كانت فكرة أنّ زوجتي قد خانتني مع "صيني"، والتي غَمَزَ لي بها أحد أصدقائي السَّمِجِين، فأسمعتُهُ كلاماً جعله يَشُكُّ في أصله وأصل أمّه وقبيلته كلّها، قد بدأت تراودني، والقَسَمَات الصينيّة تزداد رسوخاً.. صرتُ أشُكُّ في أنّ زوجتي قد بدأت تشكُّ في لو أنّني بدأت أشكّ فيها. صارت مثل لبوة لبون وجريحة.
وكنت موقناً من لو أنّها لَمَحَتْ مجرّدَ نَأْمَةٍ منّي بذلك فسوف تفترسني، ولذا تَوَخَّيْتُ الحذر. وفي الحقيقة، وكما قلت، إنّها مجرد فكرة. بمعنى أنّني حاولت مناقشتها مع نفسي بصورة فلسفيّة بحتة!؛ فالخيانة ليست مجرّد احتمال فقط، بل أحياناً تكون أمراً محتوماً، في حالة انحسار الحب الناجم عن حسرة. وبما أنّ حبّنا لم يكن قد تعرَّض لأيّ ما لحظة ملل، ففكرة الشك لم تتعدّ حدّها الفلسفيّ لتمسّ زغب روحي. وتذرَّعْتُ بالشَّكّ الديكارتي الذي هو أصله الإيمان. ولتوكيد الأصل الفلسفي لشكّي شرعت أشكّ في ديكارت نفسه، وفي أنّ نقاء شكِّه لا يَرْقَى إلى معدن شكّي النفيس!، ولِحَسْمِ الموضوع بيني وبين نفسي، تسلَّحْتُ بالنظريّة التالية: سأصارح زوجتي دون إبطاء، وبصورة واضحة وحضاريّة، في حالة أنّ هذا الشكّ تعدّى حدوده وأصبح يسبِّب لي قدراً، مهما كان ضئيلاً، من القلق والضيق. ولأنّه في هذه الحالة، حالة سكوتي عن مصارحتها، أكون قد خُنْتُها بشكّي فيها من وراء ظهرها. وعلى هذا الأساس صرتُ أَسْرَح في بعض الأحيان.
*
- هذا الأمر أصبح لا يطاق! (قالت لي، يوماً، بلا مقدِّمات).
- أيّ أمْر؟ (سألتُها وأنا أَرُومُ نبرة المحاوِر المنفتح الذِّهن).
- أمْر سَرَحَانك.. ألَمْ تلاحظ أنّك صرتَ تَسْرَح مع نفسك طوال الوقت بدل أن نتناقش سويّاً في هذه المصيبة التي نحن فيها؟!.
(أحسست كما لو أنّها أرادت أن تقول: "أنا" بدل "نحن". وشكَكْتُ في أنّي أحْسَسْتً ببعض الراحة لذلك).
- أيّ مصيبة؟.
- بتتغابَى، مُش كده؟، إنو دنقلاوي وشايقيّة أنجبا طفلا صينيّاً، أليست هذه معضلة، أمْ تظن أنّ في الأمر طرفاً ثالثاً؟.
كان سؤالها مباغتاً وصاعقاً، لا يَحْتَمِل التأمّل والتواني في الردّ عليه وإلا انكشف أمْر زغب روحي الذي بدأ في التكلُّب.. ولكن وَقْع دَوِيِّه عليَّ ألْهَمَني الفكرة:
- ماذا لو كان "منغوليّاً"؟!.
لبرهةٍ غامَت روحها في كدَرٍ عظيم، ولكنّها سرعان ما استجمعت أشتات فكرها
لمجابهة هذا الاحتمال:
- هل تظنّ أنّ طفلنا متخلّف عقليّاً..؟ إنّ مثل هذا الحبور والبهجة والمرح لا تصدر عن روح ٍ كَلِيلة. هيّا بنا إلى الطبيب..
نظرتُ إليه؛ كان يرفس الهواء بمنكبيه وقبضتيه، مُصْدِراً مناغاةً، خِلْتُها لوهلةٍ، أعجميّة!.
*
خرجنا من المشفى تحاصرنا ثرثرة الممرضة التي استقبلتنا وصحبتنا مودّعة:
(هذا طفلٌ رائع، موفور الصحة وتبدو عليه علائم النجابة.. هل تبنيْتُماهُ للتو..؟ أحسدكما عليه)!.
كان تعليقها قاصماً। كنت أنظر إليهما؛ زوجتي والطفل، خلل المرآة وهما في المقعد الخلفي للسيّارة. كانت ضائعةً، تضعه على حجرها شاخصةً ببصرها نحوي ولا تراني. تحيطه، واجفةً، كمَن يمسك بقرنَيْ عفريتٍ صغير. باءت كلّ محاولاتي بالفشل لحملها على الكلام. كنتُ أقول لها، على سبيل المثال، أشياء كنت أظنّها دُعاباتٍ ستبدِّد بعضاً من حالة الوجوم التي هبطت عليها: (إنّ لله في خلقه قِدَدْ॥)، أو، (القرد في عين أُمّو غزالة..)، إلا أنّها لَمْ تفعل شيئاً؛ مقولاتي، سوى أن أشعرتني بأنّه يجب عليّ أن أصمت.
كانت تبرطم هي الأخرى وهي تذهب بعيداً. وكانت أحياناً تأخذه من على الأرض وتذهب به بعيداً. وفي ذات مرّة ضَبَطَتْني:
كانت أمّي قد قالت لي، يوماً، وأنا أتمعَّنه وهو نائم: (إنّ به شَبَهاً من جَدِّك). كانت تقصد أباها، طافت ملامحه النوبيّة بذهني؛ شعره، جبهته، عيونه، صدغاه، فكَّاه، فضحكْتْ: (عليك الله ياتو شَبَه)؟! أجابتني بلهجةٍ واثقة: (الدم يا ولدي.. الدم)! فكنت أبحث عن شرايينه حين ضبطتني زوجتي، فانتزعته من بين براثني وهرولتْ به وهي تبين عن برطمتها:
(والله العظيم تَقَدُّميتكْ وعلمانيتك طَلَعَتْ حُجَى.. وثقتك فيني طلعت كلام في كلام ساكتْ)!.
وَخَزَني الكلام، بَيْدَ أنّي كنتُ نائياً؛ قلبي مُعلّق في عتمة روحي، وذهني بطيخة كثيرة البثور، استَجْدَيْتُ بعضاً من شجاعةٍ؛ كنتُ أملكها ذات يوم، وسألْتُنِي:
(هل كنتُ أميناً لوعدي الذي قطعته على نفسي بمصارحتها: لو أنّ ذرّةً من قلق وضيق..)؟!!.
لَمْ أَقْوَ على إكمال كلمات قسَمي، فخرجْت.
*
أَلْفَيْتُنِي في القطار المتَّجه صوب مركز المدينة. جلسْت. هناك فتاة تقف في ركن العربة مُسنِدةً جذعها إلى الجدار الحديدي تقرأ في كتاب. نظرت إليها، كانت فارعة الطول فارهة الجمال. فطفقت أنظر إليها: برونزيّة، جعداء، ذات خصر رهيف. طافت أبيات شعر بخاطري: (خصرها يزدهي، يحتوي الماء والعشب والزهر والإنبـ.. ) نظرَتْ إليّ برهةً ثمّ عادت إلى صفحة ورقها المخطَّطَة بالكلام. حاولتُ الرجوع إلى أبيات الشعر التي كنت أردِّدها، كانت قد طارت. حاولت أن أتذكّر لأيّ شاعر كانت، فطار هو الآخر. نظرَتْ إليّ ثانيةً، وَضَعَت سبابتها بين الورق وأغلقت عليها الكتاب، أرْخَتْ ساعدها إلى جنبها، تتبَّعْتُها، استقرَّتْ ملتصقةً بصفحةِ ردفها، نظرتُ فوق الرُّكْبة بقليل، كان هناك قمرٌ برونزيٌّ مَشُوبٌ بحُمْرة يطلُّ من كوَّةٍ مُشَرَّشَةٍ صُنِعَت بعناية على صفحة الجينز الأزرق. رفعتُ عينيّ إلى صفحة وجهها، أمالت رأسها إلى جنبٍ، وطفقت تنظر إلَيّ، صَنَعَتْ مُعجزة ً صغيرةً على فمها فازدادت غمّازاتها غَوْراً، وشفتاها صارتا أكثر رِفعةً، قلتُ لي: (أنا هالك ٌ لا محالة..)، قَرَأتْ ما جال بخاطري فأرسَلَتْ لي من خاطرها ببعض رضا.
أحسستُ بعينين ترقبانني من على يساري، فكّرتُ في أن ألتفت بيدَ أنّيَ لَمْ أفعل. كنت أنظر إلى نصف الحلقة العظميّة التي تربط بين الترقوّتين، تنام عليها قلادة من تراث شعبيّ، رفعتُ عينيّ مستكشفاً أبحث في ملامحها عن أثر، فلمحتُ بعضاً من أغاني هنودٍ حُمْرٍ تنام على صفحة خدّها، عدتُ إلى شعرها الأجعد المتحلّق بعضه حول جبين ٍ أصيل، قَرَأَتْ ما يجول بخاطري الينهشُ في أصلها، فشابها بعضُ ارتباك. أمالت جذعها نحو جنب، ثَنَتْ ركبتها، رَفَعَتْ قَدَمَها، وانحنَتْ قليلاً، مدَّتْ ساعدها نحو كاحلها، وأصلَحَتْ من حال خلخالها "الأبانكيّ"، قلتُ لي: (هذه فتاة من أصل جيناتٍ عديدة أغْدَقَتْ عليها كلٌّ منها بأجمل مما تملك)، شعرتُ بأسىً غامق وحزنٍ مبهم. تلصُّص العينين عليّ من على يساري يغيظني. لَمْ أَقْوَ على أنْ ألتفتَ فقامت هي بالمَهَمَّة نيابةً عنّي: نظرَتْ إلى يساري؛ إلى مَن يحاول أن يشغلني عنها، ثمّ عادت إلَيّ وعلى عينيها رسالةٌ غامضة، فوقعتُ في خطأ إستراتيجيّ ذميم حين التفتُّ:
- هايْ، آفريكان..
- أهلا، يا "قُحَّة"..
- كيف حال الولد وأمّه، كيف عاملين؟
- بخير، تمام..
كانت، سوزان، قد بدأت سؤالاً آخَرَ، فأحْسَسْتُ بأنّها تماطلني، تبسَّمْتُ لها ونظرْتُ نحو النافذة على يميني كمن يستكشف الطريق، وأنا أعود نحوها لمحتُ مكان فتاتي الذي بات خاوياً، رسمتُ عليه كلمات أغنية "أبَانكيّة" سمعتُها من عاشق ٍ جوّال:
(أجلسُ هنا
حيث يمكنني أن أرى
الرجلَ الذي أحبُّه
أهلُنا اختاروا القسوةَ معنا
ولكنني سأبقى
طالما بَقِيَ العالَم
هنا سأبقي
لأشاهد الفتى الذي أحبّه)।
سوزان صديقتنا، أنا وزوجتي، أمريكيّة بيضاء؛ قُحَّة، حسب تعبيرها هي. كنتُ قد سألتُها يوماً: (ولكن، مَن هو الأمريكي القُحّ)؟، فقالت لي بصدقٍ مسرحيّ ودلال هازل: (أنا)!، ومن يومها تصادَقْنا وصرنا نناديها بذلك. سوزان جميلة، وهي من النساء القلائل اللاتي يُثِرْنَ حفيظةَ زوجتي، وليس غيرتَها، كما تحب زوجتي أن تؤكد لي. فهي لا تتوانَى عن مغازلتي كلما كنّا في جماعة، وتزداد غيّاً كلما كبرَت جماعتنا أو ازداد أمرُ الجمع شأناً. وتفسير زوجتي لذلك بسيط وواضح: (إنّها تبحث عن عريس، ولذلك تسعى للَفْت انتباه الآخرين، ولو على حسابنا، فلا تَغْتَرّ ويذهب بالك إلى بعيد)!، ومن جانبي أمَّنْتُ على نظريّة زوجتي كي لا أثير "حفيظتها".
ضربتني سوزان بقبضة كفِّها على فخذي:
- لقد رحلَتْ، انتبه معي الآن! (قالت لي بلا مواربة).
- نعم..؟، ماذا تقصدين؟! (قلت يائساً من مغالبة ذكاء حسّها الأنثويّ).
- اسمعْ، لا تحاول أن تصنع منّي مغفّلة، وإلا أخبرتُ زوجتك.. كنتُ أراقبك وأنت تغازل تلك الخلاسيّة..
- لَمْ أغازلها، كنت أنظر إليها فقط!.
- حسناً، كانت تغازلك هي.. ولكن، للحقيقة إنّها رائعة الجمال، كيف فرّطْتَ فيها يا مُغفّل؟!!.
- أنت ِ قحبة.. أقحب من.. (ولوَلتْ بضحكاتها الصاخبة فلفتت الأنظار إلينا، فاضْطُرِرْتُ على السكوت).
- ماشي وين؟.
- ماشي المكتبة (كنت قد لمحتُ ختم المكتبة العامّة على غلاف الكتاب الذي تحمله).
- هائل، لقد حصلنا على رفيق ٍ طيّب..
شبكت أصابعها بأصابعي ونحن نهبط القطار.
*
- مساء الخير..
-.. كنتَ وين؟.
- ما تردُّوا السلام أوّل بعدين أسألوا كنّا وين!.
- مساء الزِّفْتْ!.. كنت وين؟.
- قبل ما كنت وين..! وين "تسي"؟.
- شنو؟!!.
- "تسي"، وَدِّيتِيهُو وين؟!.
(كنت أكابد كيْ لا أتلعثم، نظرتْ إلَيّ بعينين مُتَّقِدَتَيْن):
- أَسَمَّيْتَه تسي؟! ماو.. تسي.. تونغ، رائع!، ولكن، قل لي: هل تطلَّب الأمر لاختراع هذا الاسم مثل كلّ هذه السَّكْرَة؟؟.
- طبعا لأ.. فكرة السَّكْرَة سبقَت الفكرة التي أتت عفو الخاطر ولا علاقة لها.. أقصد أنّ الفكَسكرة.. يظهر إنّو أنا سكران.. لنبدأ من جديد.. إنّ الفكر.. (دقيقة.. دقيقة، قلت نبدأ من جديد، لنبدأ من جديد):
- كنت وين؟.
- لأ، مُش من جديد خالص (ارتميتُ إلى جانبها، وضعتُ ساعدي حول عنقها) أسمعي يا.. إنتي إسمك منو؟، وللا أقول ليك؟؛ دعكِ من الأسامي الأجنبيّة، دعك من تسي تونغ وشارل ديغول، وخلّينا مع الأسامي الإستراتيجيّة، أسمعي يا حبيبتي: (الغرام في الدّم سارح والهوى..)
- أسمع يا زول إنتَ هُوْيْ (أفلتت عنقها من تطويقة ساعدي ودفعتني برفق من لوحة كتفي) ريحتك براها تعمل قعدة، وإنتَ عارفني ما بحب الريحة دي، أمشي استحمّ وسَوِّك خشمك وبعدين تعال نكمّل كلامنا..
- ريحتي؟!، إنتِ زمان مش كنتِ بتشربي معايْ؟
- عليك الله بطّل اللَّيَاقة.. وبعدين يا ريتك ترضى تشرب زيْ شرابي الكنتَ بشربو أنا زمان!.
ذهبت ُ إلى الحمَّام، أغلقتُ فتحة التصريف، ملأت الحوض وغطست في الماء
الدافئ، وتمدّدت في الذكريات الدفيئة، آه يا زمن!।
(هل أنا كنت طفلاً.. أم أنّ الذي كان طفلاً سوايْ).. (ركلة ٌ من فَرَس.. تَرَكَت شَجَّةً في جبيني.. وعلَّمَت القلبَ أن يحترس..).. (.. وعلّميني الشَّعْرَ..).. حاوَلَتْ أن تفتح الباب، كان مغلقاً من الداخل، طَرَقَتْه، أتاني صوتها: (ياخ أمّك و"ماو" نايمين، ممكن توطِّي صوتك وتبطّل كواريك)!، (سمَعاً وطاعة) أجبتها،.. كانت تقول لي: (أحبّ أن أسمعها منك؛ حين تقول لي: نعم).. كمْ كنت أحبّها، كمْ أحبّها الآن، كمْ كنت أحبّها غداً، أنا غبي، امرأة مثلها لا يمكن أن تكونَ قد... وَحْدَهُم؛ الأباطرة الصينيّون، تآمروا عليّ وأرسلوا لي حفيدهم هذا كي يُبَلْبِلُوني، كي يُضَعْضِِعُوا كياني، لا أدري كيف فعلوها، ولكنّها مجرّد مؤامرة دنيئة.
كنّا في الخرطوم، نسير، وكلّما أمسكتُ بيدها تُفْلِتُها من يدي، سألتها: (ماذا بكِ)؟ (إنتَ مجنون؟ الناس بِعَايْنُو لينا)! ( عشان مَسْكَتْ يد.. والله أبوسِكْ هسّع).. هرولَتْ: ( إنت مجنون ) وهرولتْ، ركضتُ خلفها: (إن لم تقفي سأصيح)! ( صِحْ ما بدا لَكَ..)، طيّب، وقفتُ: (يا ناس!، شايفين البِتّ السَّمْحَة الجارية ديك؟ أنا بحبّها.. البت الجارية ديك.. اللابسة البلوزة الحمرة، أنا بحبّها..).. وقفتْ، ضحك البعض، وقال أحدهم: (يَخْسِي عليك..) فزجره آخر.. تلقيْنا من الابتسامات والتعاضد بأكثر مما كنّا نحلم.. (ما كنت عارفة إنّو في ناس مجانين في البلد دي غيركم، إنتَ وصُحبانك القاطعُن من راسك)!، (الغيرنا كتار.. والما غيرنا سيذهبون اليوم للنوم ويحلمون بنا..).. آه يا زمن.
كانت تجلس بقربي، كنّا متشابِكَيْن بقربنا، بجسديْنا، بروحيْنا.. فجأةً، أمسَكَتْ بيديّ، بعدت قليلاً بجسدها عنّي والتفتت نحوي غارزةً عيونها في عينيّ: (ماذا بكَ، بتعمل كده ليه)؟ تلفَّتُّ حولي: (ماذا بي)؟ (بتتزاوغ منّي ليه)؟!، (تقصدي شنو)؟، (كلما أجِي أبوسك تدّيني خدّك.. أجيك بيجايْ، تجيني بيجايْ)!، ضحكت ُ، كانت تعرف السبب ـ لا بدّ أنّها تدبِّر لمكيدة ـ كنتُ أتحاشى مضايقتها برائحة "العَرَقِي" التي لا تحبّها. قالت لي: (عشان سَجَم الرَّمَاد دا، خايف عليْ من الريحة..)؟! أمْسَكَتْ بالزجاجة وملأت فمها، تمضمضت بالعَرَقِي وبصقته: (يللا بينا، بعد ده كلّنا في الهوا سوا..) قلتُ لها أنّ هذا لا يُبْطِلُ الحذر، أمسكت بالزجاجة ثانيةً وقذفتْ جوفها بجرعة.. أحبطتْ كلّ محاولةٍ للتحاشي، حضنتني، شبكت مصيرها بي، اشرأَبَبْنا بروحيْنا، وقفزنا السياج.
كانت تفلّ عُقَدِي، تمسك بها عقدةً.. عقدةً وتفلّها. كانت ترى ما كان مخبوءاً بداخلي لا أقوى على رؤياه، كانت ترى ما لا يُرى، وتسمع دبيب الروح في كريات دمي..
اجتاحني عارٌ فادح:
(لماذا سوزان، بالذات)!.
مَدَدْتُ يدي واقتلعت سدّادة الماء من مكانها، كان جسدي الطافي يهبط رويداً.. رويداً.. كنّا نهبط، أنا والماء رويداً.. رويداً..
وصلتُ القاعْ،
التصق جسدي بالحوض الجاف، تكوّرتُ فيه، وبكيْتْ.
*
خرجتُ إليها كما ولدتني أمّي، كانت تجلس القرفصاء في منتصف السرير. تحاشيتُ النظرَ إليها. تحاشيتُها، أشَحْتُ بخجلي نحو الحائط:
- أريد أن أقول لكِ شيئاً..
- نعم، ماذا تريدُ أن تقول؟
- أن أجيب على سؤالك: أين كُـ..
(قاطعتني):
- بِصِدْقْ؟.
- نعم، بكلّ الصدق: لقد كنـ..
(قاطعتني ثانيةً):
- حسناً، في هذه الحالة لستَ مضطرّاً للكلام، لقد عرفتْ!.
ذهلتُ ونظرتُ نحوها، كانت تحمل رائحة قميصي بين يديها، ودربان من الدمع
يعبران خدودها।
في الصباح كنت أتطلّع إلى الكتب التي أحضرتها معي من المكتبة: "علم الوراثة"، "المورّثات"، "الجين: حامل شفرة الـ.. "، "كيفيّة تبادل البشر.."،.. و "تاريخ الشرق القديم: درب الحرير"!.
- هل نمتَ جيّداً؟
- نعم، وأنتِ؟
- دعكَ عنّي، هَيِّء نفسك، سنذهب إلى الطبيب.. مع ماو!.
- هل هو مريض؟
- المريض هو أنت، ونحن السبب.. أنا وماو، إذن علينا جميعاً أن نذهب، هيّا..
- لنفعل ماذا؟.
- لكي يطمئنّ قلبك، سنعمل تحاليل الحمض النووي..
- هذه إهانة!.
- سمّها ما شئت، أنا فكّرت في الموضوع جيّداً.. هناك احتمال أن تكون قد حَصَلت عمليّة تبديل للطفل في المستشفى، ورغم أنّي واثقة من أنّه ابني؛ فقلبي يقول لي ذلك، إلا أنّ علينا الذهاب..
- وقلبي أنا واثقٌ أيضاً، فقط كان فكري مشغولاً بالكيفيّة التي.. (قاطعتني):
- حسناً، ليهدأ بالك إذن.. وليهدأ بالي أنا الذي بَلْبَلْتَه بعمايلك!.
وهكذا ذهبنا.
*
قال لنا الطبيب:
- بعد إذنكما، هناك أمرٌ آخر نودّ التأكد منه، يحتاج إلى تحاليل أخرى.. نرجو أن تسمحا لنا بها..
- وما هو.. (سألناه).
- إن كان طفلكما يحمل جينات العنصر الصيني أم لا..
- حسنا، لا بأس.. (أجبناه).
- شكراً جزيلاً لكما، سيكون خبراً علميّاً مذهلاً..

وهكذا كان،
ابن الكلب؛ ابننا، يحمل صفات الجنس الصيني إلى جنب صفاتنا النوباويّة/ الشايقيّة। نُشِرَ الخبر في كبرى الدوريّات العلميّة، وعلى أثره تلقينا دعوةً من سفارة الصين لزيارة بكين. كنّا قد بدأنا في بحث وتجميع كلّ ما له علاقة بعمل الجينات:
((سائق شاحنة بريطاني لا اهتمامات له بالأدب بدأ بكتابة الشعر بعد أن أُجْرِيَت له عمليّة نقل قلب من شاعر شاب توفِّيَ إثر حادث..)).
((امرأة زُرِعَت لها كُلَى فصارت تحلم بأفراد أسرة المتبرع المتوفَّى الذي لا تعرفه إلى أن التقت بأحد أفرادها ذات يوم فتعرّفت عليه، ومن ثمّ على البقيّة، فأحبتهم وأحبوها وأخيراً انتقلت للسكنى معهم..)).
و
((زوجان من منغوليا رُزقا بصبيّة شقراء بعيون زرق وتقاطيع أوروبيّة، اتَّضَح في ما بعد أن جيناتها تتطابق وجينات جماعة من روسيا البيضاء انقرضت منذ ألفَيْ عام..)).

إذن، نحن لسنا وحدنا.. وهكذا هبط عليّ الإلهام الآتي:
إنّ مَن يدَّعون بأنّهم عاشوا من قبْل، ويصفون أماكن أخرى بتفاصيلها، ويحكون عن شخصيّاتهم السابقة وذويهم ومعارفهم السابقين، ليسوا بكاذبين، كلّ ما هنالك أنّ جيناً ما، هاجر إليهم بطريقة ما، سالكا "درب الحرير" أو غيره، حاملاً معه تلك الذاكرة ليورثهم إيّاها.
*
في الصين، في الفندق البكيني الفخم، في غرفة ذات سرير إمبراطوري، قلتُ لزوجتي:
- إنّه مجرد شَغَب جيني، ليس إلا..
- بَسْ إنتَ شكِّيت فيني، وهذا ما لن أنساه لك ما حييْت.. ( ولكنّها سرعان ما أزاحت تقطيبتها، وعادت إلى شغبها غير مضمون العواقب، وأضافت لاعبةً بكتفيها؛ مِغناجةً متبسّمة):
فلا تَلُمْنِي لو أتيتُ لك غدا بهنديّ ٍ أحمر، أبانكي، صغير!.
هيوستن ـ أوّل فبراير 2008م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق